أجل ألا يبقي في النفس شائبة من الإشكال نبّه على أنّ تسميتهم بأهل الكتاب مع أنّهم قد أسلموا متعارفٌ في الذكر ، قال تعالى :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
« 1 » . فأضافهم إلى الكتاب وان كانوا على ملّة الإسلام « 2 » .
الثاني : إنّ ذكر الطعام في الآية مختصّ بحبوبهم وألبانهم وما شاكل دون ذبائحهم ؛
لاستحالة التضادّ بين حجج الله تعالى والقرآن « 3 » .
[ دليل نقضيّ ]
وبعد فراغه من الدليل الأوّل وهو الآية السابقة ، يدعم الشيخ المفيد رأيه بدليل نقضيّ ، حيث ذكر أنّ مقتضى القياس الذي يقول به الجمهور هو الحرمة أيضاً ؛ وذلك لأنّهم لا يستحلّون ذبائح كفّار العرب لكفرهم ، فلا بدّ ألا يستحلّوا ذبائح أهل الكتاب لنفس العلّة أيضاً « 4 » .
ثمّ يعزّز مختاره بدليل إلزاميّ ثالث قبل ذكر الدليل الرابع المفصّل الذي هو عبارة عن الأخبار الخاصّة الواردة عن طريق أهل البيت عليهم السلام ، حيث سرد تسع روايات من جملة روايات كثيرة على مدّعاه ، مدّعياً تواتر الروايات في ذلك وأنّه نقل بعضها .
[ ذكر الروايات المعارضة ]
ثمّ يأخذ الشيخ المفيد أخذ الفقيه الملمّ بأطراف البحث الجامع لجميع جهاته ، فيعرّج على ذكر الروايات المعارضة للروايات السابقة ، وهي روايتا أبي بصير وزرارة اللتان رواهما الشيخ « 5 » ، وهو القول الشاذّ لبعض أصحابنا ، كما ينعته الشيخ المفيد .
ثمّ أجاب بجوابين :
الأوّل : إنّ ذلك صدر منه عليه السلام تقيّةً من السلطان
وإشفاقاً على شيعته من أهل الظلم والطغيان ؛ إذ القول بتحريمها ضدّ لما يفتي به السلطان ومن قبله من القضاة والحكّام . ولكن قد يتوقّف الباحث بعض الشيء عند حمله رواية أبي
هامش
( 1 ) - آل عمران : 199 .
( 2 ) رساله في تحريم ذبائح أهل الكتاب : 26 .
( 3 ) - المصدر السابق .
( 4 ) - المصدر السابق : 25 .
( 5 ) - التهذيب 68 : 9 ، رقم 287 و 292 .