المناقشة :
ولنا ملاحظات عديدة على الرأي المتقدم ، وتتلخص هذه الملاحظات في التشكيك في دلالة الآية الكريمة على عموم القيمومة للرجال على النساء .
ويدل على ذلك : الرواية التي يذكرها المفسرون في قصة نزول هذه الآية ، فقد رووا في شأن نزول الآية الكريمة : أن امرأة من الأنصار نشزت على زوجها ، فلطمها ، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : أفرشتُهُ كريمتي فلطمها ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
« لتقتصّ من زوجها » . فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ارجعوا ، فهذا جبرائيل أتاني » . وأنزل اللَّه هذه الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « أردنا أمراً وأراد اللَّه أمراً ، والذي أراد اللَّه خير » . ورفع القصاص « 1 » .
تفسير الآية الكريمة :
ولنتأمل في الآية الكريمة :
إن قيمومة الرجال على النساء في هذه الآية حكم تشريعي قائم على تعليلين : أحدهما تكويني ، والآخر تشريعي اقتصادي .
أما التعليل التكويني : فهو قوله تعالى :
« بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »
« 2 » ، ولا إشكال أن هذا التفضيل تكويني وليس بتشريعي ؛ فليست الذكورة فضيلة في دين اللَّه وهبها اللَّه للذكور ولم يهبها للإناث « 3 » ، وإنما خصص اللَّه تعالى الذكور من الجنسين بمؤهّلات لم يرزقها الإناث ، وهذه المؤهلات تجعل الذكور في موقع القيمومة في الحياة الزوجية .
وليس هذا التفضيل في التكوين بمعنى أن اللَّه تعالى خصّ الذكور من الجنسين بالتفضيل في كل شيء من المؤهّلات الإنسانية ، فلا دلالة لقوله تعالى :
« بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »
على ذلك ، ولا يدل عليه الواقع
هامش
( 1 ) - مجمع البيان 2 : 304 .
( 2 ) النساء : 34 .
( 3 ) وسوف نوضح أن التفضيل المذكور في الآية ( 34 ) من سورة النساء : « بما فضل اللَّه بعضهم على بعض » تفضيل متقابل ، والدليل على ذلك قوله : « بعضهم على بعض » دون « الرجال على النساء » . وسوف يأتي التوضيح إن شاء اللَّه ، وهو رأي ، واللَّه العالم .