وإنّ الحساسية السياسية الملازمة لقضية الإمام المهدي عليه السلام قد توفرت ظروف تراجعها ، فضلًا عن أنّ الظروف السياسية والاجتماعية التي استجدت في عصر الصدوق قد اختلفت إلى حد بعيد عن الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت في عصر الكليني ، هذا في عصر الشيخ الصدوق ( المتوفى 381 ه ) ، ومن باب أولى أن يكون عصر الشيخ الطوسي ( المتوفى 460 ه ) أقل حساسية وخطورة فيما يرتبط بقضية المهدوية والاتصال بالإمام المهدي عليه السلام .
ثالثاً : إنّ ذكر التوقيع في كتاب الكافي الذي يمكن أن يصل إلى كثير من الناس سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى وصول التوقيع نفسه إلى يد السلطة العباسية بحيث يمكن معرفة الطريق الموصل إلى الإمام المهدي عليه السلام ؛ ألا وهو شخص محمّد بن عثمان بن سعيد العمري ، وهذا ما ينافي الحكمة من غيبة الإمام عليه السلام ؛ حيث صرحت روايات عدة أنّه غاب خوفاً على نفسه من القتل .
وإن قيل : إنّ هذا الاحتمال منتفٍ ؛ لأنّه قد كان معلوماً للجميع آنذاك أنّ هؤلاء السفراء هم الأبواب الموصلة إلى الإمام المهدي عليه السلام وأنّهم يلتقون به ، وبالتالي فإنّ قضية التوقيع لن تقدم ولا تؤخّر شيئاً في هذا المضمار .
فالجواب : إنّه وإن كان معلوماً أنّ السفراء هم الأبواب إلى الإمام عليه السلام ، لكنه فرق بين أن يبقى هذا الأمر مجرد كلام يتداوله الناس وبين أن يصل إثبات فعلي وقطعي بيد السلطة - وهو نص التوقيع - يفيد أنّ لقاءً قد حصل بين محمّد ابن عثمان بن سعيد العمري رضي الله عنه وبين الإمام المهدي عليه السلام من أجل قضية إسحاق بن يعقوب ؛ إذ أنّنا نقطع بأنّ السلطة العباسية كانت تطلب الإمام أشد الطلب ، ويدل على ذلك شواهد تاريخية عدة ، وبالتالي فلو ثبت لديها أنّ أحد الأشخاص - كمحمد بن عثمان - يلتقي بالإمام عليه السلام ويعرف مكانه وأنّه يمكن أن يوصلها إليه ، فقد كان من الطبيعي أن تقدم على اتخاذ جميع الإجراءات التي
مجلة فقه أهل البيت ( ع ) — صفحة 139
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص١٣٩