لذلك فإن وجوب التقصير في ثمانية فراسخ لأنها مسيرة يوم ، وهو ما يتفق مع عصر النص ، بل إن معيار الزمن في قياس السرعة من الأمور المألوفة ، والشاهد على ذلك الأسئلة الواردة في روايات تشييع المسافر في شهر رمضان .
بل إن القرآن الكريم استخدم معيار الزمن للسفر : «
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
« 1 » .
إن الفهم الظهوري يتعثر في الموضوع لدى انشطاره إلى أكثر من ظهور في تحديد المسافة الشرعية ، فظهور في بياض اليوم ، وظهور في البريدين ، وظهور يحكّم الأول في الثاني .
إن التمسك بالظهور السائد ينتج ظاهرة مغايرة للظاهرة السائدة في زمن النص . ظاهرتان ليستا على وفاق ، فإن من يدخل في شهر رمضان إلى بلداننا سيجد مجموعة من الفاطرين لمجرد أنهم ساروا نصف ساعة حسب اجتهاد الظهور ، ومن يدخل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة في شهر رمضان سيجد مجتمعاً كاملًا يتحرك ، ويقضي أكثر من أربع ساعات في الطريق ذهاباً وإياباً في ذلك الحر الشديد وكلهم صائمون ويصلّون صلاةً تامة .
بينما لا ينتج فقه الظاهرة إلّا ظاهرة تتوافق مع عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ لا إفطار في أقل من نهار يوم امتدادي أو ملفّق بين الذهاب والإياب ، فالذي يسير أربع ساعات في زماننا ، وبسيارته المرفّهة المكيّفة لا يجب عليه الإفطار والتقصير ، بل لا يجوز له ذلك عملًا بالنص المقروء كظاهرة ، وليس المقروء كظهور مبتور من سياقه - مع ملاحظة إمكان فهمه بما يوافق الظاهرة حتى على المنهج الظهوري ؛ لما فيه من تصريح بذكر بياض اليوم كمعيار للإفطار
هامش
( 1 ) - سبأ : 18 - 19 .