ثمّ يجول ما وسعه الجَولان حتى يعود إلى النص - موضوع البحث - وقد أتيح له أن يتزود بما يعينه على استثمار كل طاقته الدلالية بما تنتظمه من علاقات محكومة بأنظمة تعمل على صياغة الظواهر الشرعية بدقة وإبداع ، الأمر الذي لا ينشغل به فقيه الظهور الذي يعمل على استنباط الفتاوى من أدلتها التفصيلية دليلًا دليلًا وجزءاً جزءاً ، دون الالتفات إلى أن الإبداع الحقيقي ليس بإتقان القواعد الصناعية التي تمكنه من ذلك الاستدلال الظهوري التجزيئي ، وإنّما الإبداع في القدرة على استنباط النظام العام الذي يحكم تلك الأدلة ، وفي تصنيفها في بنية معمارية واحدة ضمن أنظمتها ، فهو استنباط الناظم الفقهي من تلك الأدلة ، لا ما يمكن أن تنتجه تلك الأدلة بمعزل عن الناظم الذي يكوّن نسيجها .
إن فقهاً بهذا المستوى الإبداعي الذي أراده الإمام الباقر عليه السلام لصاحبيه ، يحث فقيه الظاهرة أن يكتشف خيوط النسيج المتعالقة مع النص المتقدم بالنص الذي يتحدث عن صلاة الجمعة ، ويقول : في العلل وعيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال : « إنما وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك ؛ لأنّ ما يقصر فيه الصلاة بريدان ذاهباً ، أو بريد ذاهباً وبريد جائياً ، والبريد أربعة فراسخ ، فوجبت الجمعة على من هو نصف البريد الذي يجب فيه التقصير ، وذلك أنه يجيء فرسخين ويذهب فرسخين فذلك أربعة فراسخ ، وهو نصف طريق المسافر » « 1 » .
ومعه في السياق ذاته المتحدث عن صلاة الجمعة ما جاء عن محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير ، عن ابن اذينة ، عن زرارة قال : قال أبو جعفر عليه السلام : « الجمعة واجبة على من إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إنما يصلي العصر
هامش
( 1 ) - المصدر السابق 5 : 11 ، ب 4 من صلاة الجمعة وآدابها ، ح 4 .