الحرام ، وأبو عبد اللَّه جعفر بن محمّد عليهما السلام فيه إذ ذاك يفتي الناس ، يفسر لهم القرآن ، ويجيب على المسائل بالحجج والبينات ، فقال القوم لابن أبي العوجاء : هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به ؟ فقد ترى فتنة الناس به ، يفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل به ، وهو علّامة زمانه ؛ فقال لهم ابن أبي العوجاء : نعم ، ثمّ تقدم ففرّق الناس و . . . » « 1 » . فهذه الرواية تحدثنا بأنّ الامام وافقه وجلس معه للمناظرة ، فما كان من ابن أبي العوجاء إلّا السخرية والاستهزاء بالكعبة وبالأفعال التي يؤديها الحجاج هناك ، فجعل الإمام عليه السلام يجيبه حتى ألقمه حجراً .
وإذا صح هذا النقل في دخول غير المشركين المسجد الحرام ، فإنه ليؤيد أن حرمة دخول المسجد الحرام إنّما اختصت بالمشركين .
قال المفضل : « كنت ذات يوم جالساً في مسجد النبي ما بين القبر والمنبر ، بعد أن فرغت من صلاة العصر ، فدخل ابن أبي العوجاء مع صاحب له وجلسا بجانبي ، ثمّ تكلم منكراً الخالق ، فامتعضت وصرخت بوجهه ، فقال : إن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد عليهما السلام فإنه ليناظرنا ولا يفعل ما فعلت . قال : فأخبرت الإمام الصادق عليه السلام الخبر ، فأشار علي أن اعامله بالمنطق والاستدلال والبرهان » « 2 » .
فالواقعة تفيد بوضوح أن دخول الزنادقة والملاحدة كابن أبي العوجاء إلى المسجد كان قضية طبيعية . وما أغضب المفضل كان كلمات الكفر التي صدرت من ذلك الزنديق لا حضوره في المسجد ، ولم يشر عليه الامام بطرح هذه المناظرات خارج المسجد .
كانت تلك بعض الشواهد والنماذج التأريخية على استمرار السيرة النبوية منذ زمان بناء المسجد حتى زمان المعصومين عليهم السلام .
ولا يخفى أن تلك الشواهد كثيرة جمة لا يمكن إحصائها جميعاً .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار 10 : 209 ، ح 11 .
( 2 ) - انظر : بحار الأنوار 3 : 57 .