غير الصورة المدرَكة في عقولنا ؛ لأنّها لا تملك ما تملكه الصورة المدرَكة من الخصائص الهندسية . فكما أنّ الحديقة التي أدركناها في نظرة واحدة لا يمكن أن نأخذ عنها صورة فوتوغرافية موازية لها في السعة والشكل والامتداد على ورقة مسطّحة صغيرة ، كذلك لا يمكن أن نأخذ عنها صورة عقلية أو إدراكية تحاكيها في سعتها وشكلها وخصائصها الهندسية على جزء ضئيل من المخّ ؛ لأنّ انطباع الكبير في الصغير مستحيل .
وإذن ، يصبح من الضروري أن نأخذ بالافتراض الثاني ، وهو أنّ الصورة المدرَكة - التي هي المحتوى الحقيقي للعملية العقلية - صورة ميتافيزيقية موجودة وجوداً مجرّداً عن المادة » « 1 » .
2 - التفسير المادي للوجود : للمادية في تفسير الوجود اتّجاهان : أحدهما :
اتّجاه الآلية الميكانيكية ، والآخر اتّجاه المادية الديالكتيكية ، ويتّفق الاتّجاهان على أنّ أصل الوجود هو المادة ( الذرّات ) ، وأنّ جميع مفردات الوجود منبثقة عن هذه المادة ، فالتفسير الميكانيكي يقول : « المادة هي مجموع تلك الجزئيات ، والظاهرات الطبيعية فيها ناتجة عن انتقال الكتل وحركتها في المكان » ، والتفسير الديالكتيكي يقول : « إنّ الحركة حصيلة تناقضات في المحتوى الداخلي للمادة ، وإنّ هذه التناقضات تتصارع فتدفع بالمادة وتطوّرها » .
وقد ناقش الصدر قدس سره التفسير المادي بنوعيه ، وأثبت بالأدلّة العلمية والوجدانية بطلانه ، حيث أثبت العلم بالوسائل التجريبية أنّ مادة الذرة هي أجزاؤها الخاصّة من البروتونات والألكترونات وغيرهما ، وأمكن للعلماء أن يحوّلوا المادة إلى طاقة ، والطاقة إلى مادة ، وهذا ممّا يؤكد لنا أنّ خصائص المادة ليست ذاتية ، وإنّما هي صفات عرضية للمادة « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : فلسفتنا ، السيد محمّد باقر الصدر : 328 - 330 ، بتصرّف .
( 2 ) المصدر السابق : 115 ، 190 ، 290 ، 292 .