وبمصلحتهم الشرعيّة ؛ لا أن تكون الشريعة وضعت لمكتسبات الحضارة الطبيّة . فهل إذا وجد - مثلا - مستكشف طبّي ألغينا ما قابله من الحقائق القرآنية والدينية ؟ !
لا يمكن هذا ؛ فإذا كان إثبات القرائن والتصاوير التلفيزيونيّة ، ورفع البصمات هذه كلّها وسائل أفادت ودعمت الحكم الشرعي ، ولكن لم تلغ البيّنة ، ولم تلغ الإقرار الوارد من المتّهم ، فلذلك يجب أن نحتاط جيّدا ولا نعدّ أنّ البصمات الوراثيّة بما فيها من منافع يمكن أن تلغى اللعان أو تمنع من اللعان .
هذه كلمات من لا يدري أصول الفقه اليوم ؛ فإنّ إلغاء الأمارات والأصول الشرعيّة أمر ، وخروج شيء من تحتها لجهة تعلّق العلم به أمر آخر ، والأوّل باطل لا مرية فيه ، والثاني حقّ لا مرية فيه ، ففي فرض حصول العلم بشيء لا يمكن للشرع إثباته ولا نفيه تعبّدا ؛ فإنّ الأوّل من اللغو وتحصيل الحاصل ، والثاني من التناقض البحت ولو بحسب نظر القاطع .
فالأمارات الشرعيّة كلّها إنّما شرّعت في فرض الجهل بالواقع ؛ فإذا حصل القطع بشيء فلا تشرع الأمارة - فضلا عن الأصل - في مورده فترك الاعتماد على الأمارة لأجل عدم موضوعها لا لإلغائها مع كونها حجّة ، كما أنّه لا موضوع للأصول العمليّة مع الأمارات المعتبرة الشرعيّة ؛ إذ موضوع الأصول العمليّة - عقلية كانت أو شرعيّة - الشكّ في الواقع ، والأمارات واردة على الأصول العقليّة وحاكمة على الأصول الشرعيّة ، كما تقرّر كل ذلك في أصول الفقه .
وأشنع من الكلّ قوله : « من المقرّر لدينا جميعا أنّ العقل الصحيح يمكن أن يختلف مع النقل الصريح من القرآن والسنّة . . . »
فإنّ أحكام الشريعة ونصوصها لا تخالف الأحكام العقلية ثبوتا ، ولو فرض ذلك إثباتا وجب تأويل النصوص حذرا من البطلان . اللّهمّ أن يريد القائل المذكور ، بالعقل الصحيح ، الظنون دون القطع واليقين .
الفقه ومسائل طبية — صفحة 41
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٤١