عليهم هذه الجبهة ، ويختارون أن تسير حياتهم في مسارها العادي الذي قسّمه الله دون أن يضيفوا إليها همّا جديدا !
وفي مجال التطبيق ستبدأ قراءة الجينوم في الحالات التي هي مواضع الشبهات بحكم تاريخها الاسري الوراثي ، مثل السيّدات اللاتي أصيبت أمّهاتهن أو جدّاتهن أو أخواتهنّ بمرض سرطان الثدي على سبيل المثال ، لمعرفة وجود هذا المرض في جينومهنّ ، وهو جين تمّ العثور عليه حديثا . فإذا اكتشفت السيّدات المرشّحات لهذا المرض نصحهنّ الطبّ بأن يكنّ تحت المراقبة الطبيّة والفحص بالأشعّة لاكتشاف المرض إن ظهر في أبكر أدواره وأرجاها للعلاج الناجح ؛ إذا لا يوجد علاج جيني لهذا المرض بعد .
فإن قلنا : إنّ عشرة بالمائة منهنّ سيصيبهنّ المرض في المقبل من الحياة ، فلا بأس أن تظلّ المائة تحت الملاحظة من أجل صالح العشر ، ولكن ما ذا إذا انزعجت السيّدات فطالبن جميعهنّ بعمليّة استئصال الثدي تحسّبا وتوقّيا ، فمعنى ذلك أنّ تسعين من كلّ مائة عمليّة ستجري من غير حاجة إليها ، فهل هذا السرف في جراحة كبيرة يكون مقبولا ؟ وهل هو من الصالح العامّ والطبابة الحكيمة ؟ « 1 »
أمّا في مجال التكاثر البشري فستتيح قراءة جينوم الجنين معرفة عاهات الجنين الحالية ، ومعرفة آفاته التي تنتظره في مستقبله القريب أو البعيد - ولو بعد عشرات السنين - وسيزيد بذلك إجراء الإجهاض في البلاد التي تسمح بالإجهاض زيادة كبيرة جدّا . . . حتى ولو كانت العلّة هيّنة ، حتى لو كانت ستظهر في سنّ الأربعين أو ما فوقها ، مع أنّ حياة طولها أربعون أو خمسون سنة يمكن أن تكون مفيدة وخصبة ومجدية . « 2 »
ومع استكمال قراءة الجينات وإمكانيات إبدالها ، فما ذا لو رغب الوالدان في طفل يحمل سمة معيّنة ، مثل طول القامة ، فهل هو مسوّغ مقبول ؟ « 3 » وإذا انتشر ذلك ، فهل يؤدّي إلى تغيّر
هامش
أخلاقا لوجوب حفظ النفوس المحترمة على الكلّ ، وإذا فرضناها خفيفة أو مهلكة غير قابلة للعلاج ، فلا مسوّغ لفضّ السرّ في الأخير ؛ لأنّه إيذاء محرّم وجاز في فرض كونها خفيفة إذا لم يتأذّ أقارب المصاب بها أو المصاب نفسه ، إلّا إذا طلب هو الإبلاغ من الطبيب ، فلا بأس بتأذّي الطالب بعد طلبه . فلاحظ .
( 1 ) . يشكل الحكم بجواز استئصال الثدي من باب الاحتياط ؛ لما مرّ في الجزءين السابقين من هذا الكتاب وإن جاز لمن ابتلي بمرض السرطان في الثدي ؛ بل يجب حفظا لنفسه .
( 2 ) . سبق حكم الإجهاز وأقسامه في الجزء الأول من هذا الكتاب .
( 3 ) . لا بأس به وبنظائره استنادا إلى أصالة البراءة ، وما ذكره الكاتب في ذيل كلامه لا يصير مانعا من جواز تحقيق الرغبات الشخصيّة .