فكلما قيل لها : هل امتلأت ؟ قالت : هل من مزيد ؟ واليوم يتصدّى الإنسان لردّ وظائفه الحيويّة إلى أصولها الكيمياويّة ، وردّ صفاته وسماته وصحّته ومرضه إلى جيناته وجزئياتها . وبغير ذلك لن نصل إلى قرار السّتة آلاف من الأمراض الوراثيّة التي تصيب الإنسان بالمرض ، أو تسبّب قابليّته لمرض من الأمراض يعتريه في الحال أو في الاستقبال حتى بعد عقود من حياته « 1 » فربّما فهي الخطوة الأولى ربما لدرء هذه الأمراض أو التوقّي لها ، أو على الأقلّ توقّعها والأهبة لها ، وذلك على مدى واسع من أمراض القلب وأنواع السرطان وغيرها وغيرها خاصّة ، وقد تجاوز العلم عتبات العلاج الجيني ، سواء بالجراحة الجينيّة التي تزيح جينا معطوبا ، وتضع مكانه مثيلا سويا ، وكأنها تستبدل مسمارا بمسمار في ماكينة ، أو باستخلاص جين سوّي من إنسان سويّ ، وزرعه والحصول على إفرازاته وإعطائها كدواء لمريض جينه لا يفرز هذا الإفراز .
وسيتسنّى كذلك دراسة العوامل البيئيّة المختلفة ، كالأشعّاعات ، أو العقاقير والموادّ الكيمياويّة على الجينات لنرى ما ذا تفعل وكيف تفعل .
ومنذ السبعينات فيما عرف « بالهندسة الوراثيّة » . دخلت إلى حيز التنفيذ صناعة غرس جين ذي وظيفة معيّنة في كائن من جنس آخر ليؤدّي الوظيفة نفسها ، كما هو معلوم من زرع جين الإنسان الذي يسبّب إفراز الأنسولين في نوع من البكتريا وتركه يتكاثر فينتج كمّيات كبيرة من الأنسولين البشري الذي يفوق بكثير الأنسولين ذي الأصل الحيواني في علاج مرضى السكر ، أو الحصول على هرمون النموّ من الجين الذي يفرزه لعلاج الأطفال ذوي قصور النموّ الذي يؤدّي إلى قصر القامة ، أو تحضير المادّة المفقودة في مرضى الهموفيليا الذي يعوّق تجلط الدم فيؤدّي إلى النزيف ، أو مادّة « الانترفيرون » التي تستعمل في علاج بعض السرطانات ، أمّا التطبيقات في عالم الزراعة أو تربية الحيوان ، فهي معنا كلّ يوم ، والمستقبل أسخى من الحاضر .
مخاوف ومحاذير
هل في صالح الإنسان أن يعلم عن نفسه أمورا نعتبرها الآن في حوزة المستقبل ؟ وما شعوره إن علم أنّه سيموت حوالي سنّ الأربعين ، أو أنّه سيصاب بمرض شلل العضلات الذي يظهر في
هامش
( 1 ) . سيأتي اختلاف في هذا التحديد الكمّي في كلام الدكتور محمد علي البارّ .