تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه ومسائل طبية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
ما ينبغي استعماله من أساليب الفحوص الإشعاعيّة والإلكترونيّة الحديثة . وفي حالات الإصابة المخّيّة تحت الخيمة ، فإنّ وظائف المخّ العلوي قد تستمر لفترة أطول لساعات أو أيام . ومن الضروري التوصّل إلى تأكيد توقّفها بالرسم الكهربائي الصامت للمخّ ، كضرورة مطلقة . ولا يصحّ بحال أن يراودنا السأم أو العجلة أو بقاء عوامل تدعو للشك في العزم الأكيد والتنفيذ الكامل لكلّ عمليات التأكّد من موت جذع المخّ بلا عودة في كل حالة . « 1 » والتوقّف النهائي لكلّ وظائف المخّ هو ما نطلق عليه « مفهوم موت المخّ » الذي يعنى لنا مفهوم الموت بصفته نهاية الحياة البشريّة الفاعلة ، والذي ينتهي إليه في النهاية من توقّف قلبه وتنفّسه في بداية الأمر في غير حالات إصابة الدماغ . إنّ ما حدث هنا هو الموت الذي هو شيء يحدث ولا نحيط بكنهه وإنّما نسمّي ما حدث « مفهوما » للموت ذلك أنّ إدراك الإنسان للأحداث المجرّدة نسمّيه مفهوما . وهذا الإدراك هو الظاهرة العقلية لما يحدث بالفعل . والإدراك والوعي خاصية للمخّ البشري الذي يتميّز بالقدرة على الفهم وليس عند الحيوانات الدنيا مفاهيم بالطبع . « 2 »

5 . مفهوم موت المخّ في واقع ممارساتنا من وحدات العناية المركّزة

منذ ربع قرن كنا نعايش نحن - أطبّاء التخدير والعناية المركّزة مرضى إصابات الرأس الذين غفوا في غيبوبة عميقة ، والذين لا تستجيب عيونهم بطرفة جفن أثناء تنظيفها ، ولا يستجيب إنسان العين المتّسع للضوء بحركة ، ولا يظهر المريض ردّ فعل لقسطرة الشفط في قصبته الهوائيّة ، وقد استلقوا بلا حراك لمصيرهم المتمثّل في الموت التدريجي لأنسجتهم مع الانهيار الحثيث للدورة الدمويّة وانتشار الجراثيم وتقرّح الجلد ، ولم نكن نملك من وسائل التشخيص المختبريّة ما يمكننا من اليقين باستحالة عودة مريضنا الذي يدقّ قلبه إلى اليقظة من جديد ، واشتدّت حاجتنا إلى إرساء مقوّمات لهذا المفهوم الذي يتّضح أمام عيوننا ، وللتيقّن من حالة
هامش
( 1 ) . ما ذكره من التثبّت والاحتياط حتّى العلم بالموت هو الذي يوجبه شرعا استصحاب بقاء الحياة أو عدم طروّ الموت . ( 2 ) . كلامه الأخير محتاج إلى تجربة مستأنفة معقّدة ولا يسهل حكمه الكلي على الحيوانات الدنيا بهذه السهولة والمسألة مذكورة في محلّها وقد أشرنا إليها في الجزء الأوّل من هذا الكتاب وبعض الحيوانات كالهرّة لا تأكل ولدها ولكن تأكله إذا مات كما شاهدنا .