كانت محتملة ، بل في فرض عدم العلم بالإضرار غير الخطرة جاز للطبيب العمليّة من دون استئذان المريض اعتمادا على استصحاب عدمها .
وأمّا من جهة الحكم الوضعي فلا بدّ له من أخذ براءة الذمّة ، وعدم الضمان إن وقع الضرر المحتمل الجزئي ، وقد مرّ تفصيل ذلك في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، ومنه يظهر الجواب عن المشكلة الثانية أيضا .
وأما المشكلة التفسيريّة ومقام القلب في وجود الإنسان ، فالواقع أنّها أصبحت من إحدى الصعوبات المهمّة في تفسير الآيات الواردة في القلب ، وكذا في الصدر بملاحظة علم التشريح وعلم فيزيولوجيا ؛ إذ لا شبهة اليوم أنّ القلب والصدر كاليد والرجل ، وسائر أعضاء البدن في فقدانهما للعلم والصفات الروحيّة والعاطفية والعقائد الصحيحة والباطلة ، وأن الخلايا المخّيّة هي التي ترتسم فيها صور الأشياء ، وهي مظهر العجائب والغرائب الإنسانيّة .
ومن العجيب أنّ القرآن الكريم أهمل المخّ ومقامه وبدائع ما فيه الدال على حكمة الخالق وعلمه وقدرته ، ولعلّه لا مخلوق أعظم منه بعد الروح ، ولم يذكره ولو إشارة واختصارا تنويرا لأمر التوحيد ، وصفات الخالق الكماليّة الذاتيّة حسب فهمي القاصر ! وهذا الاهمال غريب جدّا .
وإذا اضطررنا إلى تأويل تلك الآيات الشريفة ، نحمل القلب فيها على الروح والنفس دون العضو المادي المحسوس لبعض القرائن المذكورة في القرآن نفسه ، لكن فيه ما ينافي هذا التأويل جدّا ، كقوله تعالى :
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 1 » وليس الروح الإنساني والنفس الناطقة في الصدر بناء على تجرّد الروح ، بل هو خارج عن البدن ومدبّر له ، فالمراد من القلوب في هذه الآية هي القلوب الفيزيائية التي لا يتصوّر في حقّها العمى والبصيرة ، كسائر الأعضاء الجسميّة سوى العينين ، ولذا قلنا : إنّه من الصعوبات المهمّة التفسيرية ، ومع العجز عن التأويل يمكن أن نعدّ تلك الآيات من المتشابهات ، فلا مفرّ سوى الإذعان بما أثبته الطبّ الحديث من عدم اتّصاف القلب ، كسائر الأعضاء بالعلم والاعتقاد والصفات النفسيّة والعاطفيّة والأخلاقيّة بتاتا ، فتنحلّ المشكلة المذكورة . ولكن على مثل هذا التأويل ايراد صعب .
هامش
( 1 ) . الحجّ ( 22 ) الآية 46 .