فهل هذا إلّا مغالطة وضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم ؟ !
وثانيا : بأنّ استناد بعض حوادث العالم - وهي الحوادث المادية - إلى المادة وبعضها الآخر - وهي الحوادث الحيوية - إلى أمر وراء المادة - وهو الصانع - قول بأصلين في الإيجاد ، ولا يرتضيه المادّي ولا الإلهي ، وجميع أدلّة التوحيد تبطله .
وهنا إشكالات أخر أوردوها على تجرّد النفس مذكورة في الكتب الفلسفية والكلامية ، غير أنّ جميعها ناشئة عن عدم التأمّل والإمعان فيما مرّ من البرهان وعدم التثبّت في تعقّل الغرض منه ؛ ولذلك أضربنا عن إيرادها والكلام عليها ، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانّها ، واللّه الهادي « 1 » انتهى كلامه .
وأمّا الكلام في الجهة الثانية - وهي دلالة القرآن والسنة على أنّ للإنسان روحا ونفسا غير البدن - فنقتصر فيه على نقل جملة من الآيات الكريمة :
1 -
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » .
2 -
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
« 3 » .
3 -
وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
« 4 » .
واعلم أنّ هذه الآيات الثلاث تدلّ على أمرين :
أوّلهما : الحياة البرزخية للشهداء وأئمة الكفر فقط دون غيرهما ، أي لا يستفاد منها عموم الحياة البرزخية للجميع ، والاستدلال عليه بآيات أخر لا يخلو عن منع وإشكال .
ثانيهما : أنّ للإنسان شيء آخر وراء البدن لا يموت بموت البدن وفنائه ، وهو المستحق للثواب والعذاب ، وهو الذي يسمى بالروح والنفس .
4 -
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
« 5 » لكن لا يبعد رجوع الضمير في ( بلغت ) في هذه الآية وتاليتها إلى الحياة دون الروح .
هامش
( 1 ) . تفسير الميزان ج 1 ص 264 - 370 .
( 2 ) . آل عمران آية 169 - 171 .
( 3 ) . البقرة آية 154 .
( 4 ) . المؤمن آية 45 - 46 .
( 5 ) . الواقعة آية 83 .