تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه ومسائل طبية — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
عند القوة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها البتة ، ولا يمكن أن يقال للأمر الذي هذا شأنه : إنّه مادي لفقده أوصاف المادة العامة . فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ الحجّة التي أوردها المادّيون من طريق الحسّ والتجربة إنّما ينتج عدم الوجدان ، وقد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود - وهو مدّعاهم - مكان عدم الوجدان ، وما صوّروه لتقرير الشهود النفساني المثبت لوجود أمر واحد بسيط ثابت تصوير فاسد ، لا يوافق الأصول المادية المسلّمة بالحسّ والتجربة ولا واقع الأمر الذي هو عليه في نفسه . وأمّا ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد في أمر النفس ، وهو أنه الحالة المتّحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحية من الإدراك والإرادة والرضا والحبّ وغيرها المنتجة لحالة متّحدة مؤلّفة ، فلا كلام لنا فيه ؛ فإن لكلّ باحث أنّ يفترض موضوعا ويضعه موضوعا لبحثه ، وإنّما الكلام فيه من حيث وجوده وعدمه في الخارج والواقع مع قطع النظر عن فرض الفارض وعدمه ، وهو البحث الفلسفي ، كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث . وقال قوم آخرون من نفاة تجرّد النفس من الملّيّين : إنّ الذي يتحصّل من الأمور المربوطة بحياة الإنسان كالتشريح والفيزيولوجي : أنّ هذه الخواصّ الروحية الحيوية تستند إلى جراثيم الحياة والسلولات التي هي الأصول في حياة الإنسان وسائر الحيوان وتتعلّق بها ، فالروح خاصة وأثر مخصوص فيها لكل واحد منها أرواح متعدّدة ، فالذي يسمّيه الإنسان روحا لنفسه ويحكي عنه ب‍ « أنا » مجموعة متكونة من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد والاجتماع . ومن المعلوم أنّ هذه الكيفيات الحيوية والخواصّ الروحية تبطل بموت الجراثيم والسلّولات وتفسد بفسادها ، فلا معنى للروح الواحدة المجردة الباقية بعد فناء التركيب البدني ، غاية الأمر أنّ الأصول المادية المكتشفة بالبحث العلمي لمّا لم تف بكشف رموز الحياة كان لنا أن نقول : إنّ العلل الطبيعية لا تفي بإيجاد الروح ، فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة . وأمّا الاستدلال على تجرّد النفس من جهة العقل محضا فشئ لا يقبله ولا تصغي إليه العلوم اليوم ؛ لعدم اعتمادها على غير الحسّ والتجربة ، هذا . وأقول : وأنت خبير بأنّ جميع ما أوردناه على حجّة المادّيين وارد على هذه الحجّة المختلقة من غير فرق ، ونزيدها أنها مخدوشة . أوّلا : بأنّ عدم وفاء الأصول العلمية المكتشفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح والحياة لا ينتج عدم وفائها أبدا ، ولا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادية في نفس الأمر على جهل منا ،
الفقه ومسائل طبية — صفحة 41 | الشيخ محمد آصف المحسني