اللازمة ، فهو جوهر مجرّد عن المادة متعلّق بالبدن نحو تعلّق يوجب اتحادا ما له بالبدن ، وهو التعلق التدبيري ، وهو المطلوب .
وقد أنكر تجرّد النفس جميع الماديين وجمع من الإلهيين من المتكلمين والظاهريين من المحدثين ، واستدلّوا على ذلك وردّوا ما ذكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلّف من غير طائل .
قال الماديون : إنّ الأبحاث العلمية على تقدّمها وبلوغها اليوم إلى غاية الدقّة في فحصها وتجسّسها لم تجد خاصة من الخواصّ البدنية إلّا وجدت علّتها المادية ، ولم تجد أثرا روحيا لا يقبل الانطباق على قوانين المادة حتّى تحكم بسببها بوجود روح مجرّدة .
قالوا : وسلسلة الأعصاب تؤدّي الإدراكات إلى العضو المركزي ، وهو الجزء الدماغي على التوالي وفي نهاية السرعة ، ففيه مجموعة متّحدة ذات وضع واحد لا يتميز أجزاؤها ولا يدرك بطلان بعضها وقيام الآخر مقامه ، وهذا الواحد المتحصّل هو نفسنا التي نشاهدها ونحكي عنها ب « أنا » .
فالذي نرى أنه غير جميع أعضائنا صحيح إلّا أنّه لا يثبت أنّه غير البدن وغير خواصّه ، بل هو مجموعة متّحدة من جهة التوالي والتوارد لا نغفل عنه ؛ فإن لازم الغفلة عنه على ما تبين بطلان الأعصاب ووقوفها عن أفعالها وهو الموت ، والذي نرى أنّه ثابت صحيح لكنه لا من جهة ثباته وعدم تغيّره في نفسه ، بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الإدراكية وسرعة ورودها ، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائما ، فما فيه من الماء يجده الحسّ واحدا ثابتا وهو بحسب الواقع لا واحد ولا ثابت ، وكذا يجد عكس الإنسان أو الشجر أو غيرهما فيه واحدا ثابتا ، وليس واحدا ثابتا بل هو كثير متغير تدريجا بالجريان التدريجي الذي لأجزاء الماء فيه ، وعلى هذا النحو وجود الثبات والوحدة والشخصية التي نرى في النفس .
قالوا : فالنفس التي يقام البرهان على تجرّدها من طريق المشاهدة الباطنية هي في الحقيقة مجموعة من خواصّ طبيعية ، وهي الإدراكات العصبية التي هي نتائج حاصلة من التأثير والتأثير المتقابلين بين جزء المادة الخارجية وجزء المركّب العصبي ، ووحدتها وحدة اجتماعية لا وحدة واقعية حقيقية .
أقول : أمّا قولهم : « إن الأبحاث العلمية المبتنية على الحسّ والتجربة لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح ولا وجدت حكما من الأحكام غير قابل التعليل إلّا بها » فهو كلام حقّ لا ريب
الفقه ومسائل طبية — صفحة 38
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٣٨