( 173 ) من سورة البقرة فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : غير باغ اللذّة ولا عاد سدّ الجوعة .
ثانيها : غير باغ في الإفراط ولا عاد في التقصير .
وثالثها : غير باغ على إمام المسلمين ولا عاد بالمعصية طريق المحقين ، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام . . . .
أقول : روى الشيخ رحمه اللّه في التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن يحيى الخثعمي ، عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام . . . قال : « الباغي باغي الصيد والعادي السارق ، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا ، هي حرام عليهما كما على المسلمين ، وليس لهما أن يقصرا في الصلاة « 1 » » .
أقول : السند صحيح على المشهور ، ولا يبعد حمل الخبر على بيان بعض المصاديق ، وأنّ المراد عدم وقوع النفس في الاضطرار بسوء الاختيار ، كما يؤيّده قوله تعالى :
غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
. ومن هنا يظهر الخلل في بعض ما ذكرناه في حدود الشريعة « 2 » .
مسألة : إنّ المأكولات المحرّمة تباح عند الاضطرار لغير العادي والباغي وأمّا هما فهل يجب عليهما وعلى كلّ من اضطرّ بسوء اختياره الاجتناب عنهما حتّى الموت ؟
نقول : هذا هو الظاهر من الآيات بالنظر الابتدائي بعد بقاء الحرمة ، لكن حفظ النفس من أهمّ الأمور عند الشرع ، والعقل أيضا يحكم بارتكاب أخفّ الضررين عند التزاحم .
نعم ، يحرم على هذا المكلّف إلقاء نفسه في التهلكة ويحرم عليه أكل المحرمات « 3 » ، لكن حرمة الأكل أخفّ من حرمة الإلقاء فيها بمراتب ، فيوجب العقل عليه أكل الميتة وإن استحقّ العقاب به ، فافهم فإنّه دقيق .
إلى هنا تمّ ما يتعلّق بالجزءين من كتاب رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحّية ، وللّه الحمد أوّلا وآخرا .
هامش
( 1 ) . حدود الشريعة في محرّماتها ج 9 ص 91 طبع مكتبة الصدوق . وفسر محشّي التهذيب السارق بقاطع الطريق وقال :
وقد فسّر في الآية بوجوه : منها : الخارج على إمام زمانه ، ومنها : الآخذ عن مضطر مثله ، وذلك غير جائز ومنها : الطالب للميتة كما ذهب إليه جمع من الأصحاب .
( 2 ) . حدود الشريعة في محرّماتها ج 1 ص 52 ، الطبعة الثانية .
( 3 ) . أقول : يمكن أن يقال : إنّ تلك الآيات الكريمة تدلّ بظاهرها على بقاء الحرمة في حقّ المضطر الباغي والعادي ، فيضعف بها قول صاحب الكفاية ومن وافقه واخترناه من أنّ الامتناع بالاختيار وإن لا ينافي الاختيار عقابا ، لكنه ينافيه تكليفا ، فإنّ تكليف المضطر لغو لا أثر له ، ويقوى قول من يقول : إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تكليفا وعقابا ، فتأمّل .