التخلّق بأخلاق اللّه تعالى « 1 » .
أقول : لم يكن للقدماء من الفلاسفة وغيرهم علم تجريبي دقيق بخصوصيات الحيوانات ، وإنّما يعرفون منها أمورا كلّية عامة لا غير ، فلا اعتماد على آرائهم في جميع الموضوعات التي لا تعرف بمجرّد العقل ؛ ولذا أخطأ وأخطأ كثيرا في الأجسام العلوية والأفلاك والنجوم ، وأصبح اليوم معرفة الشباب المتعلّمين بالسماويات أكثر من معرفة الفارابي وابن سينا والسهروردي وصدر الدين الشيرازي وسائر مشاهير الفلسفة ، ولعلّه لا لوم على أحد إذا ادّعى أنّه لا معرفة صحيحة لهؤلاء الحدسيين من الفلاسفة بالسماء وكواكبها ونجومها وما يتعلّق بها أصلا ! ! !
وعلّة الاشتباه أنهم غلطوا في تمييزهم بين حدود الفلسفة والعلوم ، فحاولوا إثبات ما يحتاج إثباته إلى الحسّ والتجربة بالعقل المجرّد ، وظنّوا أنّ لهم الصلاحية في جميع أقسام العلوم ، كما أنّ المادّيّين اليوم مشوا على عكس ذلك ، فإذا لم يجدوا شيئا في حقلهم العلمي نفوه مطلقا ؛ تخيّلا منهم أنّه لا حقائق خارج الحسّ .
والحق أنّ للحس مدارا خاصا وللعقل مركزا خاصا ، ولا بدّ من مراعاة ذلك حتى لا يضلّ الباحث ولا تطمس معالم الحقّ ، وتفصيل البحث في محلّه .
وعلى كلّ مجموع هذه الخواصّ يكفي لتمييز الإنسان عن الحيوان ، ولكن لا نستطيع أن ندّعي أنّ شيئا من تلك الخواصّ لا يوجد في الحيوانات ، بل البحوث الحديثة تثبت خلاف ذلك ، وربما تثبت التجربة العلمية في المستقبل حقائق أهمّ وأكثر وأعجب للحيوانات ممّا اكتشفته لحدّ الآن .
والذي أراه مميزا جوهريا بين الإنسان والحيوان - بعد اشتراكهما في الإحساس والحركة الإرادية وجملة من الأمور الأخر - هو تعلّق الروح بالإنسان المستتبع لقدرته على الإدراكات الكلية الكثيرة التي أوجبت تحوّل حياة الإنسان من المرحلة الابتدائية المظلمة ، الشبيهة بحياة الحيوانات ، إلى هذه المرحلة ، ثمّ في المستقبل إلى المراحل التي لا تقع في ذهننا اليوم ، ومن المحسوس عجز الحيوانات عن هذا التحوّل .
البحث الثالث : في حقيقة الإنسان
إنّ الإنسان له بدن مادّي محسوس ، وله نفس إنسانيّة سوى البدن ، والكلام فيه تارة من جهة
هامش
( 1 ) . لاحظ أسفار الشيرازي ج 9 ص 78 - 82 .