العقل ، وأخرى من جهة دلالة القرآن ، وثالثة من جهة العلم .
ونحن نذكر في الجهة الأولى ، كلام بعض المفسّرين من أهل المعقول ، وإن كان لنا نقاش أو إيراد على بعض كلامه . ثمّ إنّ بحثه وإن كان في تجرّد النفس لكنه يفي بالمقام ، قال :
هل النفس مجرّدة عن المادة ؟ ( ونعني بالنفس ما يحكي عنه كلّ واحد منّا بقوله : أنا ؛ وبتجرّدها عدم كونها أمرا ماديا ذا انقسام وزمان ومكان ) .
إنا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه : ب « أنا » ، ولا نشكّ أنّ كلّ إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حينا من أحيان حياتنا وشعورنا ، وليس هو شيئا من أعضائنا وأجزاء بدننا التي نشعر بها بالحسّ أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر واللمس ونحو ذلك وأعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحس والتجربة ، فإنا ربما نغفل عن كلّ واحد منها وعن كلّ مجموع منها حتّى عن مجموعها التامّ الذي نسمّيه بالبدن ولا نغفل قط عن المشهود الذي نعبّر عنه ب « أنّا » ، فهو غير البدن وغير أجزائه .
وأيضا : لو كان هو البدن أو شيئا من أعضائه أو أجزائه أو خاصة من الخواص الموجودة فيها - وهي جميعا مادية ، ومن حكم المادة التغير التدريجي وقبول الانقسام والتجزؤ - لكان ماديا متغيّرا وقابلا للانقسام ، وليس كذلك ، فإنّ كل أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه - وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه - وجده معنى مشهودا واحدا باقيا على حاله من غير أدنى تعدد وتغير ، كما يجد بدنه وأجزاء بدنه والخواصّ الموجودة معها متغيرة متبدّلة من كلّ جهة في مادتها وشكلها وسائر أحوالها وصورها ، وكذا وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام والتجزّؤ كما يجد البدن وأجزاءه وخواصه - وكل مادة وأمر مادي كذلك - . فليست النفس هي البدن ولا جزءا من أجزائه ولا خاصّة من خواصه ، سواء أدركناه بشيء من الحواسّ أو بنحو من الاستدلال أو لم ندرك ، فإنّها جميعا مادية كيفما فرضت ، ومن حكم المادة التغيّر وقبول الانقسام ، والمفروض أن ليس في مشهودنا المسمّى بالنفس شيء من هذه الأحكام ، فليست النفس بمادية بوجه .
وأيضا هذا الذي نشاهده نشاهده أمرا واحدا بسيطا ليس فيه كثرة من الأجزاء ولا خليط من خارج بل هو واحد صرف ، فكلّ إنسان يشاهد ذلك من نفسه ويرى أنّه هو وليس بغيره ، فهذا المشهود أمر مستقلّ في نفسه ، لا ينطبق عليه حدّ المادة ولا يوجد فيه شيء من أحكامها
الفقه ومسائل طبية — صفحة 37
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٣٧