أقول : ما ذكره أخيرا من إنكار اختلاف الناس باختلاف الطبائع وبحسب الأمكنة والأزمنة ممنوع جدّا ، فإن الاستخباث والاستطابة الطبعيتين بحسب طبع نوع الإنسان إنّما نسلّمهما في الجملة وفي بعض الأشياء ، وفي غيره الاختلاف في الطبائع مشهود لا يقبل الإنكار ، وربّما يصعب التمييز بين الاستخباث الطبعي والتلقيني .
وحينئذ هل الملاك في تشخيص الطيب والخبيث طبع كلّ فرد أو طبائع جميع الأفراد أو غالبهم في جميع الأعصار أو في كلّ عصر أو طبع أغلب العرب - كما قيل - أو غالب المسلمين وجوه .
أضعفها الأوّل ؛ إذ يصعب الالتزام بحرمة أكل طعام واحد لأحد وحلّيته لآخر في زمان واحد ومكان واحد .
ومثله في الضعف الثاني ؛ إذ لا يحرز أحد طبائع جميع الناس أو أغلبهم في جميع الأعصار المستقبلة في كثير من الموارد ، فتقل الفائدة في الآيات المحلّلة للطيّبات والآية المحرّمة للخبائث .
ويضعف الوجه الرابع واعتبار طبائع العرب ، بأن اللّه سبحانه كما أحلّ الطيّبات للمسلمين ، أحلّها لأهل الكتاب أيضا ، كما في الآية الخامسة المتقدّمة .
والظاهر أنّ أحسن الوجوه اعتبار طبع غالب المسلمين في كلّ عصر ، فإن تنفروا من شيء فهو الخبيث وإن استلذّوا بشيء فهو الطيّب ما لم يدلّ دليل خاصّ على خلافه ، فتأمّل فيه واللّه أعلم .
ثمّ إنّ لسيّدنا الأستاذ الخوئي - طيّب اللّه مثواه - نظر آخر في تفسير هذين المفهومين يغاير ما ذكرناه هناك ، ونحن ذكرناه وردناه في كتابنا حدود الشريعة « 1 » فلا ملزم لإعادته هنا .
وأخيرا إليك ما ذكره بعض الباحثين من أهل السنّة :
وقد توسّع بعض الفقهاء فرأوا تحريم كثير من المواد الغذائية ذات الأصل الحيواني ، استنادا إلى قول اللّه تبارك وتعالى في حقّ نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
. فرأوا بناء عليها تحريم كلّ خبيث .
ولما كان الاستخباث أمرا يختلف بحسب أذواق البشر فما يستخبثه قوم قد يستطيبه قوم
هامش
( 1 ) . حدود الشريعة في محرماتها ج 1 ص 41 .