فالمعنى الحقيقي للطيب هو ما تستلذ به النفس وتلائمه ، والخبيث ما يستنفر منه الطبع ويستقذره ، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة .
ويظهر من صاحب جواهر الكلام رضى اللّه عنه أنّ الطيب قد يطلق على الحلال ؛ لقوله تعالى :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ *
ويقابله إطلاق الخبيث على الحرام كقوله تعالى :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
. وقد يطلق على الطاهر في قوله تعالى :
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً *
. وعلى ما لا أذى فيه في النفس والبدن كما يقال : زمان طيّب ، أي لا أذى فيه من برد أو حرّ .
ويقول في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
: إنّ المراد بالطيب ليس هو الحلال والطاهر ؛ ضرورة عدم الفائدة في الجواب منهما ، بل وعلى الثاني الذي هو توقيفي من الشارع ، بل في المسالك : ولا المعنى الثالث ؛ لأنّ المأكول لا يوصف به ، وإن كان فيه منع واضح . ثمّ قال ( الشهيد الثاني رحمه اللّه ) : فتعيّن المراد ردّهم إلى ما يستطيبونه ولا يستخبثونه ، فردّهم إلى عادتهم وما هو مغرز في طبائعهم ، ولأنّ ذلك هو المتبادر عرفا .
والمراد بالعرف الذي يرجع في الاستطابة عرف الأوساط من أهل اليسار في حالة الاختيار دون أهل البوادي وذوي الاضطرار من جفاة العرب . . .
بل ربّما نوقش أيضا بأنّه إن أراد إحالة التنفّر والاشمئزاز إلى عرفهم فهو إنّما يتمّ لو علم أنّه معنى الخباثة ، وهو بعد غير معلوم . وإن أراد إحالة الخباثة إلى غيرهم فلا عرف لها عند غير العرب ؛ لأنّها ليست من لغتهم ولم يتعيّن مرادفها في لغتهم .
هذا مع أنّ طباع أكثر أهل المدن العظيمة أيضا مختلفة في التنفّر وعدمه جدّا ، كسكّان بلاد الهند والترك والإفرنج والعجم والعرب في مطاعمهم ومشاربهم ؛ ولذا خصّ بعرف العرب ، وهو أيضا غير مفيد ، لأنّ عرفهم في هذا الزمان غير معلوم . . .
ثمّ يقول صاحب جواهر الكلام بعد ذلك ردّا على الشهيد :
إلّا أنّه لا يخفى عليك ما في الجميع ؛ ضرورة كون المراد من الخبيث الذي هو عنوان التحريم هو ما يستخبثه الإنسان بطبعه السليم من آفة من حيث ذاته وينفر منه ويشمئزّ منه ، من غير فرق بين العرب والعجم وأهل المدن والبادية وزمان اليسار وغيره ؛ إذ هو معنى قائم في المستخبث لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والناس ، ويقابله الطيّب الذي هو كذلك « 1 » .
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ج 36 ص 237 وما بعدها ، أوّل كتاب الأطعمة والأشربة .