وأمّا الحصر في الآية الأخيرة فيرفع اليد عن إطلاقه بالأدلّة المعتبرة الدالّة على تحريم المحرّمات ، ويؤيّده قوله تعالى في الآية الأخيرة :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
، وهو نزل في المدينة . إلّا أن يقال : إنّه من التخصيص الأكثر الممنوع ، ولا سيما مع اتحاد هذه الآية المدنية مع الآية الثانية المكّية في نفي حرمة ما عدا الأربعة المذكورة ، لكن لا مناص للفقيه سوى ما قلنا ، فإنّ إنكار حرمة غير الأربعة غير ممكن للفقيه أصلا . واللّه أعلم بكلامه وأحكامه .
وعلى كلّ قد ثبتت أصالة الحلية في الأطعمة على نحو عرفته ، كما أنّه ثبتت أصالة البراءة في كلّ ما شكّ في وجوبه أو حرمته ، سواء أكانت بنحو الشبهة الحكمية أو الشبهة الموضوعية .
وأنّه جائز ظاهرا ، وفي مقام العمل وإن كان هو على حكمه الأولي في الواقع ، لكنه غير منجز ولا عقاب على تركه .
ما معنى الطيّب والخبيث
استفدنا من كرائم الآيات المتقدّمة حلّية الطيّبات وحرمة الخبائث ، ولا بدّ من معرفة هذين المفهومين الموضوعين للحلّية والتحريم فنقول مستعينين باللّه تعالى :
قال أمين الإسلام رضى اللّه عنه في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى :
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ
: يحلّ لهم المستلذات الحسنة ويحرّم عليهم القبائح وما تعافه الأنفس .
وقيل : ويحلّ لهم ما اكتسبوه من وجه طيّب ويحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث .
وقيل : يحل لهم ما حرّمه رهابينهم وأحبارهم ، وما كان يحرّمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب وغيرها ، ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير . . . .
أقول : القولان الأخيران ضعيفان بإطلاق الآيات .
وقال في تفسير الآية الأولى : والطيب هو الخالص من شائب ينغص ، وهو على ثلاثة أقسام :
الطيّب المستلذ ، والطيّب الجائز ، والطيّب الطاهر .
والأصل هو المستلذ ، إلّا أنّه وصف به الطاهر والجائز تشبيها ؛ إذ ما يزجر عنه العقل أو الشرع كالذي تكرهه النفس في الصرف عنه ، وما تدعو إليه بخلاف ذلك ، والطيب الحلال والطيّب النظيف . وأصل الباب الطيب خلاف الخبيث « 1 » .
هامش
( 1 ) . مجمع البيان ج 4 ص 750 .