أقول : يظهر منهم المنع في غير فرض الضرورة وهو الأحوط لزوما ؛ لأجل تلك الروايات وهذه الفتاوى .
وأمّا إذا كان التداوي بشرب الخمر فالمنسوب إلى المشهور عدم الجواز حتّى في فرض العلم بالانحصار ، وذهب جمع إلى جوازه في هذا الفرض .
دليل المشهور الروايات « 1 » ودليل المجوّزين أهمية حفظ النفس من مفسدة شرب الخمر ، فيقدم عليه عند التزاحم ، وقد يقال : إنّ الأحاديث المانعة ناظرة إلى الواقع ، وأن الدواء لا ينحصر بالخمر أبدا ، وحكم الفقهاء المجوزين إنّما هو على مجرّد الفرض والبحث العلمي الصرف ، فلا اختلاف بين الفتوى والأحاديث ، واللّه العالم .
الرابعة : العطشان المضطرّ هل يجوز له شرب الخمر ؟
فيه أحاديث ثلاثة ، ففي موثّقة عمّار عن الصادق عليه السّلام . . . أنّه سأل عن الرجل أصابه عطش حتّى خاف على نفسه فأصاب خمرا قال : « يشرب منه قوته » « 2 » .
وفي رواية الفضل بن شاذان التي لا يبعد اعتبارها سندا عن الرضا عليه السّلام في كتابه إلى المأمون « والمضطرّ لا يشرب الخمر لأنّها تقتله » « 3 » .
وفي رواية أبي بصير غير المعتبرة سندا عن الصادق عليه السّلام : « المضطرّ لا يشرب الخمر ؛ لأنّها لا تزيده إلّا شرّا ( عطشا خ ) ولأنّه إن شربها قتلته فلا يشرب منها قطرة » .
أقول : الأخيرة ضعيفة والثانية تحمل على ما فوق القوت بقرينة الأولى ، أو على الكراهة ، جمعا بينهما « 4 » .
وإذا ثبت في الطب ثبوتا قطعيا أنّ الخمر يقتل المضطرّ العطشان يترك الحديث الأوّل ، وإذا ثبت فيه كذلك أنّه لا يقتله بل يحفظه عن التلف يترك الحديث الثاني ؛ لأنّ الحديث خبر ظنّيّ والظنّ يبطل عند قيام العلم بخلافه . فالمرجع علم الطب إن قدر على الجواب القطعي .
هامش
( 1 ) . انظر نفس المصدر ج 25 الباب 21 من كتاب الأشربة المحرّمة .
( 2 ) . نفس المصدر ج 25 ص 378 الباب 36 من أبواب الأشربة المحرّمة .
( 3 ) . نفس المصدر .
( 4 ) . لكن حمل قول الرضا عليه السّلام لمكان التعليل على الكراهة مشكل إلّا أن يقال : إنّه غير ناظر إلى بيان الحكم الشرعي بل هو إرشاد إلى ضرر الخمر .