الظاهرة والمقطوع بها .
وإن قال قائل : إنّ اعتماد العقلاء على الأسباب المقطوع بها أمر ضروري لا يعقل النهي عنه .
نقول له : لا مانع من شمول وجوب التوكّل للأسباب الظنّية ، فلا بدّ من تركها كترك الأسباب الموهومة ، ولا أدري هل به قائل من الفضلاء أم لا ؟
وقد أخرج أحمد عن ذكوان عن رجل من الأنصار قال : عاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رجلا به حرج ، فقال رسول اللّه : « ادعوا له طبيب بني فلان » قال : فدعوه ، فجاء . فقال : أو يغني الدواء شيئا ؟
فقال : سبحان اللّه وهل أنزل اللّه داء في الأرض إلّا جعل له شفاء .
قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح « 1 » .
وعن أبي الدرداء عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « إنّ اللّه أنزل الداء والدواء وجعل لكلّ داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام « 2 » » .
وبالجملة الأحاديث الآمرة بالتداوي المرويّة من طرق أهل السنّة حجّة على فقهائهم الذين أنكروا وجوب التداوي ؛ فإنّ الأمر يدلّ على الوجوب .
وإذا قلنا بأن دفع الضرر واجب عقلا وحفظ النفس واجب ، وإلقاء النفس في التهلكة حرام ، وجب التداوي بالأسباب الظنّية ، فإنّ العقلاء يسلكونها في حياتهم ، ومع ذلك لا بدّ من التوكّل والاعتماد على إرادة الحقّ الخالق مسبّب الأسباب . وهذا معنى الحديث الأسبق : « واعقل راحلتك وتوكّل على اللّه » .
الثالثة : حول التداوي بالمحرّم والنجس
اختلف فقهاء أهل السنّة في التداوي بالمحرم والنجس عند الحاجة إليهما ، فمنع من ذلك المالكية والحنابلة ، وأجازه الحنفية « 3 » بشرط أنّ يعلم أنّ فيهما شفاء ، وأنّ لا يجد دواء غيرهما .
وأمّا الشافعية فمنعوا من التداوي بالنجس والمحرّم الصرف ، اما إذا كان مستهلكين مع دواء آخر فيجوز التداوي بشرطين :
1 - بشرط وجود طبيب مسلم عدل أو عارف بالطب - ولو كان غير مسلم - أو بإخبار طبيب
هامش
( 1 ) . رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحّية ج 1 ص 165 .
( 2 ) . نفس المصدر ص 188 نقلا عن البخاري .
( 3 ) . قيل : ذهب الحنفية إلى أنّه لا يجوز التداوي بالخنزير حالة الضرورة وإن تعيّن للعلاج . . . نفس المصدر ج 1 ص 188 .