ومن تداوى فينبغي أن يعتقد يقينا ويؤمن حقّا أنّ الدواء لا يحدث شفاء ولا يولّده ، ولكن الباري يخلق الموجودات واحدا عقيب الآخر .
وفيما قالاه نظر ، ذلك أنّه روى أبو داود والترمذي وابن ماجة ، واللفظ لأبي داود : عن أسامة بن شريك رضى اللّه عنه قال أتيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأصحابه كأنّما على رؤوسهم الطير - فسلّمت ، ثمّ قعدت ، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا ، فقالوا يا رسول اللّه أنتداوى ؟ فقال : « تداووا ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يضع داء إلّا وضع له دواء غير داء واحد الهرم » .
والذي يترجّح عندي أنّ الحديث يتجاوز مطلق الإذن المباح المستوي الطرفين إلى ترجيح الإقدام على التداوي ؛ لأنّه لو كان مباحا لخيّرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . . . ولأنّ المباح بالجزء ينقلب واجبا بالكلّ . . . فلو أعرض كلّ الناس عن التداوي لهلك الجنس أو يكاد . انتهى ما أردنا من كلامه « 1 » .
أقول : منافاة اختيار الأسباب الموهومة للتوكّل ، اختارها بعض علماء الإمامية أيضا في علم الأخلاق « 2 » . ويمكن أن يقال : إنّ التوكل إن نافى اختيار الأسباب المادية ونحوها ، لنا في مطلق الأسباب وإن كانت مقطوعا بها ، وإن قلنا : إنّ التوكّل الواجب وهو الاعتماد على اللّه سبحانه وتعالى ، واتّباع الأسباب من دون اعتماد عليها ، بل مع الاعتماد على مسبّبها غير مناف له .
وفي حديث غير معتبر سندا عن الإمام الصادق عليه السّلام : « واعقل راحلتك وتوكل على اللّه « 3 » » .
فلا ينافيها مطلقا .
والضابطة الكلّية المطردة أنّ سلسلة الأسباب والمسبّبات وقانون العلية لا تنافي إرادة اللّه وقدره وقضاءه كما تخيّله الأشاعرة لضعف عقولهم وبلادة أفكارهم . وهؤلاء أنكروا الحسن والقبح العقليين أيضا ، وأنكروا أصل السببية فأبطلوا الحكمة النظرية والعملية معا ! ! . فافهم المقام .
واعلم أنّ التوكّل على اللّه تعالى واجب شرعي على الناس ولم يقيّد وجوبه في القرآن « 4 » بمورد دون مورد ، وهؤلاء لم يذكروا دليلا على اختصاص التوكّل بترك الأسباب الموهومة دون
هامش
( 1 ) . نفس المصدر ص 163 - 164 .
( 2 ) . والتوكل واجب فقهي كما ذكرناه في الجزء الرابع من كتابنا حدود الشريعة في محرماتها في حرف الواو في مادة التوكّل .
( 3 ) . بحار الأنوار ج 71 ص 137 وج 103 ص 5 .
( 4 ) . وعلى الله فلتوكّل المؤمنون . وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين .