تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه ومسائل طبية — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
وبالجملة : بطلان هذا التخيّل على ضوء العقل والدين غير خفيّ ، وقد ثبت في محلّه أنّ الكائنات تفتقر إليه تعالى في وجودها وصفاتها وأفعالها حدوثا وبقاء . على أنّ تأثير الأسباب في المسبّبات ووصول الإنسان الساعي إلى الأسباب أيضا من سنّة اللّه ومشيئته ، وقال سبحانه :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
« 1 » ، وقال سبحانه :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
« 2 » . وهل علم الإنسان وقدرته إلّا قطرة مفاضة من علمه وقدرته اللذين لا يتناهيان . ولبّ الكلام أنّ البحث في إرادته التشريعية التي هي بمعنى طلبه تعالى شيئا أو تركا من المكلّف من طريق إرادته واختياره فقد يمتثله المكلف وقد يعصيه ، لا في إرادته التكوينية التي يستحيل تخلّف المراد عنها بناء على وحدة واجب الوجود واستحالة الشرك . وهذا فليكن ببال القرّاء في جميع مطالب هذا الكتاب وغيره . وإن أراد القائل المذكور أنّ دفع الموت حرام على المكلّفين ، فهذا شيء ممكن عقلا ، لكنّه باطل ؛ لعدم دليل في الكتاب والسنّة يدلّ على حرمته ، بل لا شكّ في جواز المواظبة على أساس التوصيات الطبّية على صحة البدن وطول العمر ، ولزوم العلاج على المريض بكل الوسائل الممكنة كما سبق . وإن أراد أنّ اللّه سبحانه وتعالى أخبر بأنّ كلّ إنسان يموت ، وهذا يكشف عن عدم إمكان دفع الموت ، فكلّ محاولة له تصبح فاشلة لا محالة فتحرم لكونها عبثا وإسرافا للمال ، فممنوع أيضا ؛ لأن الطبّ لا يدّعي - ولا يصحّ له أن يدّعي - دفع الموت عن الإنسان بنحو مطلق وأنّه لا يموت أصلا ؛ ضرورة أنّ للموت أسبابا غير صحة البدن ونشاط الخلايا كالغرق والحرق والقتل وافتراس مفترس وغير ذلك ، واللّه سبحانه قادر على إماتة الإنسان بكلّ هذه الأسباب . والطبّ إنّما يدّعي دفع الموت عن طريق واحد وسبب فارد ، فلا تناقض بين الأخبار عن موت كلّ أحد وقدرة الطبّ على دفع الموت عن بعض الأفراد ، وهي من قدرة اللّه وتقديره . وفي الدين ما يؤيد إمكان الطبّ على دفع الموت وتطويل العمر بحفظ الخلايا ودفع الأمراض من بقاء عيسى بن مريم عليه السّلام على أظهر الأقوال ، بل وببقاء الخضر عليه السّلام كما اشتهر ، وببقاء
هامش
( 1 ) . البقرة آية 255 . ( 2 ) . الرحمن آية 33 .