الجملة بقوله
« وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً »
يشخّص المعنى المراد وهو الإفساد في الأَرض بالإخلال بالأمن وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين .
على أنَّ الضرورة قاضية بأن النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله لم يعامل المحاربين من الكفّار بعد الظهور عليهم والظفر بهم هذه المعاملة من القتل والصلب والمثلة والنفي .
على أنّ الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الإفساد المذكور فإنّه ظاهر في أنّ التوبة إنّما هي من المحاربة دون الشرك ونحوه .
فالمراد بالمحاربة والإفساد ؛ على ما هو الظاهر ؛ هو الإخلال بالأمن العامّ ، والأمن العامّ إنّما يختل بإيجاد الخوف العامّ وحلوله محلّه ، ولا يكون بحسب الطبع والعادة إلّا باستعمال السلاح المهدّد بالقتل طبعا ، ولهذا ورد فيما ورد من السنة تفسير الفساد في الأَرض بشهر السيف ونحوه « 1 » .
أقول : ما أفاده قدّس اللَّه نفسه الزكيّة من اختصاص الآية بالمسلمين الَّذين فسقوا وحاربوا للَّه ورسوله متين جدّا كما مرّ إلّا أنّ حمل مادّة المحاربة على شهر السلاح لا خافة الناس غير مستقيم .
وذلك أمّا أوّلا فلأنّ قولنا
« يُحارِبُونَ اللَّهَ »
مشتمل على مادّة المحاربة وهيأه تعليق الفعل على المفعول به ولكلّ منهما معنى حقيقي ومجازي ، فإرادة حقيقة القتال وانّه واقع على اللَّه تعالى هي التي صحّ ان يقال إنها مستحيلة ، لكنّه إذا أريد من مادّة المحاربة إبطال أثر لأحكام اللَّه تعالى ولا سيّما ما كان للرسول صلّى اللَّه عليه وآله فيه ولاية ارتفع المحذور كما أنه لو أريد منها معناها الحقيقي وكان تعليقه على اللَّه تعالى من باب المجاز في الاسناد وبعناية أنّ من قاتل الدولة الإلهية الّتي أسّسها رسول اللَّه فكأنّه قاتل اللَّه تعالى ارتفع أيضا المحذور .
هامش
( 1 ) الميزان : ج 5 ، ص 354 .