أقول : يمكن أن يقال : إنّ المستفاد من طائفة من الأخبار أنّ جميع أُمور الإنسان مفوّضة إلى نفسه ، ولا يفهم من أُموره إلّا ما كان مرتبطا به عائدا إليه نتيجته نفعه أو ضرره ، فإذا كان مفوّضا إليه فله أن ينقله إلى غيره ، ففيما نحن فيه : اختيار بيع شيء بثمن معيّن أو شرائه به يعدّ من أُموره ، فإذا كان مفوّضا إليه فله أن يفعل به ما شاء من بيعه أو الصلح عنه ، وهكذا .
ففي موثّقة سماعة المروية عن أُصول الكافي قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : إنّ اللَّه عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أُموره كلّها ، ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه ، أما تسمع لقول اللَّه عزّ وجلّ
« وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ »
فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا ، يعزّه اللَّه بالايمان والإسلام « 1 » .
وفي موثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إنّ اللَّه تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلّا إذلال نفسه « 2 » .
لا يقال : إنّ مفاد الحديث تفويض أمر الإنسان إلى نفسه ، وهو يقتضي كونه كذلك حدوثا وبقاء ، مع أنه إذا أقدم على بيعه من الغير خرج زمامه من يده وكان منافيا لكون أمره مفوّضا إليه .
لأنّه يقال : إذا كان وكول أمره إلى الغير ناشئا وتبعا عن مشيّة الإنسان فهو تأكيد لتحقّق مشيئته ، لا أنه مناف له ، ولذلك لا شبهة في أنّ أمر أمواله بيده ، وهو يقدم على نقله إلى الغير بالبيع والصلح والبهة ونحوها ، وبعده يخرج زمامه عن يده ، إلّا أنّه لا يعدّه العرف منافيا للتفويض المذكور ، بل يراه تأكيدا له وتحقّقا لمقتضاه ، بعد ما كان المفروض وقوع هذه العقود عن طيب نفس منه ورضاه ، وكان هذا الخروج من مقتضيات هذه العقود ، وهو عالم به مقدم عليه .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 12 من أبواب الأمر والنهي من كتاب الجهاد الحديث 2 و 3 ج 11 ص 424 .
( 2 ) وسائل الشيعة : الباب 12 من أبواب الأمر والنهي من كتاب الجهاد الحديث 2 و 3 ج 11 ص 424 .