بيان الفقه في شرح العروة الوثقى ( الاجتهاد والتقليد ) — صفحة 85
. . . . . . . . . . [ الصورة الثالثة ] الثالثة : أن يفتي أحدهما بوجوب العدول ، والآخر بحرمته ، وقد أطلق البعض فيها وجوب الاحتياط ، أو الأخذ بأحوط القولين في كلّ مسألة مسألة لكون الشكّ في المكلّف به الموجب للاحتياط مع الامكان ، والتخيير مع عدم الامكان أو كونه حرجا ، وأطلق البعض الآخر - ولعلّهم أكثر المعاصرين والمقاربين - وجوب تقليد الأعلم مطلقا في هذه الحال . لكن ربما يقال : إن كان الذي يمنع عن العدول هو الأعلم ، فلا وجه للعدول إليه ، كما لا ملزم للاحتياط ، إذ العامي بتحكيم عقله يرى فراغ الذمّة بتقليد الأعلم سواء كان واجبا أم راجحا ، فإذا رجع العامي إلى الأعلم في مسألة العدول إليه فحرّمه ، كان الواجب على العامي البقاء على تقليد الأوّل ، لأنّ الأعلم أفتى له بذلك ، ولم يكن من الدوران بين تعيين وتعيين حينئذ ، إذ العدول فقط فيه محذور ، وأمّا البقاء فلا محذور فيه للعامي بعد افتاء الأعلم له بوجوب ذلك . نعم ، اجتهاديا تكون المسألة من الدوران في مجال الأصل العملي . وإن كان الذي يمنع عن العدول هو الأوّل ، وكان الأعلم يفتي بوجوب العدول ، فهنا يجب على العامي العدول ، لأنّ عقل العامي يحتّم عليه الرجوع إلى الأعلم ، ومع ذلك لا مجوّز له بالبقاء . [ إشكال وجواب ] وما يقال : من أنّه بعد تقليده للأوّل وجب عليه العمل بفتاواه ، ومن فتاواه حرمة العدول عنه ، فكيف يجوز له عدم العمل بهذه الفتوى وهو ذو حجّة حينئذ ؟ فإنّه يقال : بعد حكم عقل العامي بوجوب تقليد الأعلم ، وبعد تقليده للأوّل بحساب أنّه الأعلم ثمّ انكشف الخلاف ، فإنّه - مضافا إلى أنّ وجوب تقليد الأوّل