وذهب المتأخّرون - كابن إدريس والمحقق الحلّي ومن تأخّر عنهما ( « 1 » ) - إلى اعتبار التفريط وعدمه ، سواءً كان الإفساد ليلًا أم نهاراً ، إمّا لضعف مستند التفصيل بين الليل والنهار أو حملًا له على ذلك ، وما الليل والنهار إلّا مثالًا للتفريط لا ضابطاً للضمان .
لكن أجيب عنه ( « 2 » ) بأنّ ضعف السند منجبر بالعمل ومعتضد بأخبار أخرى ، على أنّ خبر السكوني من القويّ في نفسه ، وفي خصوص المقام رواه عنه عبد اللَّه بن المغيرة الذي هو من أصحاب الإجماع .
هذا ، وقد حاول الشهيد الأوّل جعل الخلاف بين القدماء والمتأخّرين لفظياً حيث قال : « لمّا كان الغالب حفظ الدابّة ليلًا وحفظ الزرع نهاراً خرج الحكم عليه ، وليس في حكم المتأخّرين ردّ لقول القدماء ، وإنّما القدماء تبعوا عبارة الأحاديث ، والمراد هو التفريط ، فلا ينبغي أن يكون الخلاف هنا إلّا في مجرد العبارة عن الضابط ، وأمّا المعنى فلا خلاف فيه » ( « 3 » ) .
وتبعه على ذلك في كشف اللثام ، بل قال : « أكثر عباراتهم تشعر بذلك » ( « 4 » ) .
وفي كشف الرموز بعد نقل رواية السكوني : « ربّما كان الوجه أنّ في النهار جرت العادة بحفظ صاحب الزرع زرعه على الأغلب ، فإذا أخلّ به فيكون التفريط منه ، وبالليل يلزم صاحب البهيمة إمساكها ، فمع الإرسال أو الإخلال به فالتفريط منه ، فيكون ضامناً » ( « 5 » ) .
وممّن صرّح بذلك السيد الخوئي حيث جعل العبرة في الضمان وعدمه إنّما هو التفريط وأرجع التفصيل بين الضمان في الليل دون النهار إلى التفريط في الأوّل دون الثاني ، مدّعياً أنّ ذلك صريح معتبرة السكوني المتقدمة ، ومعتبرة هارون بن حمزة ، والتي فيها : « إن أفسدت نهاراً فليس عليها ضمان من أجل أنّ أصحابه يحفظونه ، وإن أفسدت ليلًا فإنّه عليها ضمان » ( « 6 » ) .
هامش
( 1 ) السرائر 3 : 424 - 425 . الشرائع 4 : 286 . المسالك 15 : 501 .
( 2 ) جواهر الكلام 43 : 402 .
( 3 ) غاية المراد 4 : 520 .
( 4 ) كشف اللثام 11 : 486 .
( 5 ) كشف الرموز 2 : 681 .
( 6 ) مباني تكملة المنهاج 2 : 249 . والرواية في الوسائل 29 : 277 ، ب 40 من موجبات الضمان ، ح 3 .