رابعاً - اشتراط الحاجة في الارتزاق من بيت المال وعدمه
: ثمّ إنّه لا ريب ولا خلاف بين الفقهاء في جواز ارتزاق أهل المناصب مع الحاجة ( « 1 » ) إذا لم يقدروا على التكسّب لقوتهم وقوت عيالهم وباقي ضروريّاتهم ، أمّا مع الغنى فقد اختلفوا فيه على أقوالٍ ( « 2 » ) :
الأوّل : عدم الجواز مطلقاً ، سواء تعيّن عليه الاشتغال بالعمل أم لا ، وهو قول ثاني الشهيدين ( « 3 » ) والمحقّق الأردبيلي ( « 4 » ) والشيخ الأنصاري ( « 5 » ) ، ومال إليه أيضاً المحقّق النجفي ( « 6 » ) .
قال الشيخ الأنصاري : « مقتضى القاعدة عدم جواز الارتزاق إلّا مع الحاجة على وجه يمنعه القيام بتلك المصلحة عن اكتساب المئونة ، فالارتزاق مع الاستغناء ولو بكسب لا يمنعه القيام بتلك المصلحة غير جائز » ( « 7 » ) .
واستدلّ لذلك بأنّ بيت المال موضوع للمصالح ولا مصلحة مع عدم الحاجة ( « 8 » ) ، بل أنّه تضييع لحقوق المسلمين ( « 9 » ) .
الثاني : الجواز مطلقاً ، أي سواء تعيّن عليه القيام بتلك المصلحة أم لا ، وهو اختيار الفاضل النراقي ووالده ( « 10 » ) والمحقق الآشتياني ( « 11 » ) والسيد الخوئي ( « 12 » ) .
هامش
( 1 ) المراد بالحاجة المجوّزة للارتزاق هي المتعارفة وعلى حسب العادة ، لا مقدار الضرورة التي لا يعيش بدونها ، كما في مجمع الفائدة 8 : 94 .
( 2 ) البحث عن ذلك وإن ورد في كلمات بعض الفقهاء في خصوص القاضي ، إلّا أنّه يجري في سائر المرتزقين ؛ لنفس المناط المذكور ، كما صرّح بذلك بعض الفقهاء كالمحقّق النجفي والشيخ الأنصاري وغيرهما ، وسوف يتّضح ذلك من خلال البحوث المقبلة .
( 3 ) الروضة 3 : 71 .
( 4 ) مجمع الفائدة 8 : 94 .
( 5 ) المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 154 .
( 6 ) يستفاد ذلك من ثنايا كلماته في جواهر الكلام ( 40 : 51 - 54 ) كما نسبه الشيخ الأنصاري إليه .
( 7 ) المكاسب ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 154 . ولكن في موضع آخر منه ( 1 : 245 ) : « وأمّا الارتزاق من بيت المال فلا إشكال في جوازه للقاضي مع حاجته ، بل مطلقاً إذا رأى الإمام المصلحة فيه ؛ لما سيجيء من الأخبار الواردة في مصارف الأراضي الخراجية » .
( 8 ) انظر : مجمع الفائدة 8 : 94 .
( 9 ) مصباح الفقاهة 1 : 482 .
( 10 ) مستند الشيعة 17 : 68 .
( 11 ) القضاء : 26 ، حيث قال : « لا إشكال في جواز إعطائه [ / القاضي ] فيما إذا تعيّن عليه القضاء بأن لا يوجد من يقوم به سواه ، سواء كان القاضي غنيّاً أو فقيراً . . . وكذا فيما لم يتعيّن عليه القضاء ، بل يقوم به كفاية فيما إذا لم يكن هناك متبرّع بالقضاء . . . » .
( 12 ) مصباح الفقاهة 1 : 482 .