الأخيرة واردة في ظرف خاصّ هو قرب وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا دلالة لها على أصل الحكم .
نعم ، ما ورد في رواية أخرى من أنّ امتناعه كان لانتفاء الغرض من الاختضاب قد ينافي استحبابه ؛ إذ روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه سئل عن قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : غيّروا الشيب ، ولا تشبّهوا باليهود ، فقال : « إنّما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك والدين قُلٌّ ، وأمّا الآن وقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار » ( « 1 » ) ، فإنّها تدلّ على أنّ الأمر بالاختضاب كان لمصلحة اقتضتها أوضاع ذلك الزمان وهي غير موجودة فعلًا ، فلا استحباب في الاختضاب .
كما ينافيه أيضاً ما رواه حنّان بن سدير عن أبيه قال : دخلت أنا وأبي وجدّي وعمّي حمّاماً بالمدينة ، فإذا رجل في بيت المسلخ . . . فقال [ لجدّي ] : « يا كهل ما يمنعك من الخضاب ؟ » فقال له جدّي :
أدركتُ من هو خير منّي ومنك لا يختضب ، قال : فغضب لذلك حتّى عرفنا غضبه في الحمّام ، قال : « ومن ذاك الذي هو خير منّي ؟ » فقال : أدركت علي بن أبي طالب عليه السلام وهو لا يختضب ، قال : فنكّس رأسه وتصابّ عرقاً فقال : « صدقت وبررت » ، ثمّ قال : « يا كهل إن تختضب فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد خضب وهو خير من عليّ ، وإن تترك فلك بعليّ سنّة » ، قال :
فلمّا خرجنا من الحمّام سألنا عن الرجل فإذا هو علي بن الحسين ومعه ابنه محمّد ابن علي عليهما السلام ( « 2 » ) ؛ ولذا قال الشهيد الأوّل :
« يستحبّ الخضاب تأسّياً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويجوز تركه تأسّياً بعليّ عليه السلام » ( « 3 » ) .
وقد يتغيّر حكم الخضاب بطروّ بعض العناوين عليه ، فيحرم - مثلًا - للمحتدّة وبقصد التدليس ، ويكره للحائض والجنب والمحرم للزينة ، كما أنّه قد يشتدّ الاستحباب ويضعف . وسيأتي بحث كلّ ذلك .
خامساً - من يستحبّ له الخضاب
: يستحبّ الاختضاب للمرأة والرجل على السواء ، ويتأكّد في المرأة وإن كانت مسنّة .
هامش
( 1 ) الوسائل 2 : 87 ، ب 44 من آداب الحمّام ، ح 2 .
( 2 ) الوسائل 2 : 82 - 83 ، ب 41 من آداب الحمّام ، ح 4 .
( 3 ) الذكرى 1 : 152 .