القطعيّة المستمرّة إلى زماننا عليه .
فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « أربع من سنن المرسلين : التعطّر والسواك والنساء والحنّاء » ( « 1 » ) .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « الخضاب هدي إلى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من السنّة » ( « 2 » ) .
وظاهر هاتين الروايتين وغيرهما استحباب الاختضاب مطلقاً ، فلا يختصّ بزمان معيّن ولا بموضع من البدن .
لكن ورود بعض الروايات باستحبابه في حالات معيّنة ومواضع خاصّة ، وأخرى بالنهي عنه في بعض الحالات ، أدّى إلى إنكار استحبابه مطلقاً لدى بعض الفقهاء ، بل إنكار جوازه أيضاً .
فمن ذلك : ما رواه أحمد بن أبي عبد اللَّه عن أبيه رفعه قال : نظر أبو عبد اللَّه عليه السلام إلى رجل وقد خرج من الحمّام مخضوب اليدين ، فقال له أبو عبد اللَّه عليه السلام : « أيسرُّك أن يكون اللَّه خلق يديك هكذا ؟ » قال :
لا واللَّه ، وإنّما فعلت ذلك لأنّه بلغني عنكم أنّه من دخل الحمّام فليُرَ عليه أثره - يعني الحنّاء - فقال : « ليس ذلك حيث ذهبت ، إنّما معنى ذلك إذا خرج أحدكم من الحمّام وقد سلم فليصلّ ركعتين شكراً » ( « 3 » ) .
وظاهر كلام الإمام أنّ المراد من الضمير في « أثره » أثر الحمّام ، وقد فسّره الراوي بالحنّاء فخطّأه الإمام عليه السلام وفسّره بصلاة الشكر .
ونوقش بأنّه محمول على التقيّة لإنكار المخالفين له ، أو على الإفراط في ذلك ، أو على التشبّه فيه بالنساء بفعل التخطيط والنقش .
قال المحدّث البحراني : « وربّما سبق إلى الوهم من هذه الأخبار اختصاص استحباب الحنّاء أو جوازه بكونه بعد النورة خاصّة ؛ ولذلك أنكر بعض المتعسّفين استحبابه أو جوازه في غير ذلك ، وربّما استندوا في ذلك إلى ما رواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار ( « 4 » ) عن أبيه عن سعد عن أحمد بن أبي عبد اللَّه عن أبيه رفعه » ، وذكر الحديث ثمّ قال :
« والظاهر كما هو المفهوم من كلام جملة من الأصحاب أنّه لا اختصاص له بالنورة ، ومن أظهر الأدلّة على ذلك ما رواه الصدوق قدس سره في كتاب الخصال بسنده فيه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم » ( « 5 » ) » ، وذكر الحديث المتقدّم عنه صلى الله عليه وآله وسلم « فإنّه دالّ بإطلاقه على أنّه في حدّ ذاته من السنن لا بخصوص موضع كالأفراد المعدودة معه ، ويظهر ذلك أيضاً من بعض الأحاديث الآتية في فضل الخضاب واستحبابه كما سنشير إليه إن شاء اللَّه . . . وأمّا الخبر الذي نقلناه من معاني الأخبار فالأقرب عندي أنّه إنّما خرج مخرج التقيّة ؛ لما عرفت من سياق جملة من الأخبار المتقدّمة من إنكار الناس ذلك ، وأنّ المعروف بين المخالفين بل عامّة الناس - لشهرة الأمر بين المخالفين - إنكار ذلك . . . ويمكن حمله على الإفراط والمداومة للرجل ، بل ظاهره ذلك بقرينة
هامش
( 1 ) الوسائل 2 : 10 ، ب 1 من السواك ، ح 18 .
( 2 ) الوسائل 2 : 83 ، ب 41 من آداب الحمّام ، ح 5 .
( 3 ) الوسائل 2 : 76 ، ب 36 من آداب الحمّام ، ح 3 .
( 4 ) معاني الأخبار : 254 ، ح 1 .
( 5 ) الخصال : 242 ، ح 93 . الوسائل 2 : 10 ، ب 1 من السواك ، ذيل الحديث 18 .