الأوّل - زوال الماليّة في الشيء المملوك :
المال المملوك إذا زال عن ملك صاحبه بزوال ماليّته شرعاً كما لو انقلب إلى مادّة أخرى لا يجوز تملّكها كالخلّ والعصير - مثلًا - ينقلبان خمراً ، أو بموته كالحيوان والعبد يموتان ، أو غير ذلك ، فإنّه يزول بذلك ملكيّته لمالكه لتقوّمها بالماليّة عند مشهور الفقهاء إلّا أنّه يثبت له فيه حقّ الاختصاص فلا يحقّ لغيره التصرّف فيه بلا إذنه .
والفقهاء وإن اتّفقوا على ثبوت هذا الحقّ إلّا أنّهم اختلفوا في الدليل عليه حيث ذكرت في هذا الصدد عدّة وجوه :
1 - إنّ حقّ الاختصاص لا يحتاج إلى دليل ؛ لأنّه ليس شيئاً وراء الملكيّة يحدث فيحتاج إليه ؛ إذ الملكيّة عُلقة وإضافة بين المال وصاحبه تقتضي تسلّطاً أو غيره ، وزوال الملكيّة لا يقتضي ارتفاع أصل العلقة والارتباط والإضافة بينهما ، ولا زوال السلطنة على المال أصلًا مع بقاء ذات الشيء ، وإنّما يقتضي تغيّر نحو العلاقة والارتباط والسلطنة عليه ، فتكون أضعف ممّا كانت عليه في السابق لكن بحيث يمكن التصرّف فيه والانتفاع به ببعض الوجوه التي هي ليست محطّ اعتناء العقلاء واهتمامهم ، فيكون حقّاً ؛ إذ الحقّ ليس إلّا مرتبة ضعيفة من الملك . ويشابه ما ذكرناه إلى حدٍّ بعيد الألوان والكيفيّات الخارجيّة ، فإنّها إذا زالت بحدّها الأعلى بقي ما يتخلّف في الشيء منها من دون حاجة إلى موجد ( « 1 » ) .
هامش
( 1 ) قال المحقق الآشتياني ( القضاء : 356 - 357 ) في المال الغارق : « لو سلِّم تلف الماليّة بالغرق فلا إشكال في بقاء الملكيّة والاختصاص ، ولو سلِّم ارتفاع الملكيّة أيضاً فلا إشكال أيضاً في بقاء ربط بينه وبين المالك كالبيض الفاسد ، والخمر المهروق في وجه الأرض ، إلى غير ذلك ، فالمالك أحقّ به ما دام يقبل الانتفاع به ، ولو لم يكن فعليّاً ، وهو يمنع صيرورته كالمباح ، ودخوله في ملك الغوّاص بمجرّد الغوص .
والسرّ فيما ذكرنا من عدم ارتفاع الملكيّة والعُلقة المطلقة - ولو لم يعبّر عنها بالملكيّة بزوال الماليّة - أنّ ارتباط الملك بالمالك إنّما هو من حيث وجوه الانتفاع به ، فكلّما كانت وجوه الانتفاع والتصرّف كثيرة كانت العُلقة بينهما شديدة ، ويسمّى باعتبارها مالًا ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى مرتبة لا تصلح إلّا للانتفاع به في بعض الوجوه . فكلّما كانت صلاحيّة الانتفاع به باقية فالمالك أحقّ به من غيره . نعم ، لو وصل إلى مرتبة لا يصلح للانتفاع به أصلًا فيخرج عن ملكيّة المالك وسلطانه ويكون مع غيره في شرع سواء » . ]Yوقال الميرزا النائيني ( منية الطالب 1 : 333 ) في العين التالفة : « لو خرجت العين عن قابليّة التملّك - كما إذا صار الخلّ خمراً - كان المالك أولى من الضامن به ، ويبقى حقّ الاختصاص له . ولا يقال : لم يكن له حقّ الاختصاص في عرض الملك ؛ لأنّ لكلّ منهما مورداً مستقلّاً ، ولا يجتمعان في مورد واحد حتّى يبقى أحدهما بعد زوال الآخر ، فإذا زالت الملكيّة فإمّا يلحق بالمباحات الأصليّة فهو لكلّ من سبق إليه ، وإمّا للغاصب لكونه في يده ، وعلى أيّ تقدير فثبوت الأولويّة للمالك مشكوكة ؛ لأنّها جديدة تتوقّف على سبب ، والأصل عدمه . لأنّا نقول : ليس الحقّ أمراً مغايراً للملك ، بل هو من شؤونه ومراتبه الضعيفة
المندكّة تحت القويّ ؛ لأنّه عبارة عن إضافة خاصّة بين المستحقّ والمستحقّ عليه ، وهي حاصلة للمالك ومحفوظة في جميع الحالات المتواردة على الملك ، فهي كالهيولى لا تزول بزوال الصور النوعيّة ، فإذا صار الخشب رماداً لا يزول عنه إضافة المالك ، بل قد لا تزول الصورة كالماء الخارج إلى المفازة ، والجمد الباقي من الصيف إلى الشتاء ، ولا يصحّ قياس الملك والحقّ على الوجوب والاستحباب ؛ لأنّهما متغايران بالملاك ، ولكلٍّ منهما مصلحة مستقلّة ، فإذا نسخ الوجوب لانتهاء مصلحته فلا تبقى مرتبة ضعيفة من الطلب حتّى يبقى الاستحباب ، فإنّه يحتاج إلى ملاك مستقلّ والجامع الطلبي لا يكفي للحكم بالاستحباب ، ولذا عدّا حكمين متضادّين . نعم ، لو أحرزنا ملاك الاستحباب في ضمن ملاك الوجوب لقلنا ببقائه بعد نسخ الوجوب » .