كثير منهم أنّه من الحقوق ، ولعلّه نظراً إلى إطلاق الحقّ عليه في حديث : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد كان أحقّ به » ( « 1 » ) ، وفي آخر : « كان له » بدل قوله : « أحقّ به » بناءً على ظهور اللام فيه . ويحتمل قويّاً بل لعلّه الأقوى كونها من الأحكام ، بمعنى تحريم مزاحمة السابق فيما سبق إليه ممّا له فيه حقٌّ بجعل الواقف الذي هو وغيره فيه شرع سواء بذلك الجعل ؛ ضرورة أنّ الواقف لم يجعله وقفاً على السابق حتّى يختصّ به هو دون غيره ، ولا أحدث السابق حقّاً جديداً له وراء ما جعل له الواقف حتّى يكون له حقّان استحقّ أحدهما بالوقف كغيره ، والآخر استحقّه بالسبق دون غيره فيسقط هو بالإعراض عنه دون المجعول بالوقف ، بل السبق سبب لحرمة مزاحمته فيه ومدافعته عنه مطلقاً ولو كان المزاحم من مصاديق عنوان الموقوف عليه ، فتقديم السابق في تزاحم الحقوق كتقديم الأهمّ في تزاحم الواجبات في كونه من الأحكام . فبالإعراض عن المحلّ يرتفع التزاحم الذي هو موضوع الحكم بالتحريم ، بل لعلّه يشعر به التعبير بالأحقّ في الحديث والزيادة لاختصاص الاستيفاء ، واللّام لمطلق الاختصاص » ( « 2 » ) .
لكنّ المشهور بين الفقهاء خلاف ذلك وأنّ اختصاص الشخص بالشيء المانع للغير من مزاحمته - كما سمعت من بعض العبارات المتقدّمة - حقّ يثبت له بأسبابه المختلفة ، وتعابيرهم الواردة في أبواب الوقف وإحياء الموات والمنافع العامّة والمشتركات والمكاسب والغصب وغيرها - والتي سيأتي قسم منها - واردة كلّها بلفظ الحقّ ، ولا أثر للحكم فيها ، بل سيأتي منهم جواز المعاوضة على هذا الحقّ وإسقاطه ككثير من الحقوق .
وكيف كان ، فإنّ القائلين بكون الاختصاص حقّاً لمّا اختلفوا في تفسير حقيقة الحقّ ، والفرق بينه وبين الملك أثّر ذلك في تفسير حقّ الاختصاص أيضاً ، وانعكس واضحاً في كلماتهم .
فمَن يرى بأنّ الحقّ سلطنة وإضافة مجعولة للإنسان - من حيث هو - على غيره - ولو بالاعتبار - من مالٍ أو شخصٍ
هامش
( 1 ) انظر : المستدرك 17 : 111 - 112 ، ب 1 من إحياء الموات ، ح 4 .
( 2 ) بلغة الفقيه 1 : 23 - 24 .