تعالى مدّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ حتّى ، فدلّ على أنّ الاختبار قبل البلوغ ، ولأنّ تأخير اختباره إلى بعد البلوغ يؤدّي إلى الحجر على البالغ الرشيد ؛ لأنّ الحجر يمتدّ إلى أن يختبر ويعلم رشده بمنع ماله ، واختباره قبل البلوغ يمنع ذلك فكان أولى .
وقال بعض الشافعيّة وأحمد في الرواية الأخرى : إنّ الاختبار إنّما يكون بعد البلوغ ؛ لأنّه قبل البلوغ محجور عليه لبقاء الصغر ، وإنّما يزول الحجر عنه بالبلوغ ، وتصرّف الصبي قد بيّنا أنّه غير نافذ .
والأوّل أصحّ الوجهين عند الشافعيّة ، وهو الذي اخترناه » ( « 1 » ) .
وقال المحقّق الكركي : « واعلم أنّ الذي صرّح به المصنّف في التذكرة والإرشاد والتحرير أنّ محلّ الاختبار قبل البلوغ ؛ لقوله تعالى :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى »
والبالغ لا يُعدّ يتيماً ، وقوله تعالى :
« حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ » ،
ولأنّه لو كان الاختبار بعد البلوغ لم يؤمن معه الحجر على البالغ الرشيد ، وهو ظلم محرّم فيجب التحفّظ عنه ، ولا يكون إلّا بالاختبار قبل البلوغ » ( « 2 » ) .
وقال الشهيد الثاني : « بيّن [ المحقّق الحلّي ] هنا أنّ محلّ هذا الاختبار قبل البلوغ ؛ لقوله تعالى :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » .
ووجه دلالة الآية على ذلك من وجهين : أحدهما : جعل متعلّق الابتلاء اليتامى . والمراد باليتيم لغة وشرعاً من لا أب له وهو دون البلوغ ، فالبالغ ليس بيتيم بطريق الحقيقة ، وإطلاق اللفظ محمول على الحقيقة إذا لم يمنع منها مانع ، وهو منتفٍ هنا . والثاني : قوله تعالى :
«
حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ »
جعل غاية اختبارهم البلوغ ، فدلّ على أنّ الاختبار قبله ، ولأنّ تأخير الاختبار إلى البلوغ يؤدّي إلى الإضرار به بسبب الحجر عليه ومنعه ماله مع جواز كونه بالغاً رشيداً ؛ لأنّ المنع يمتدّ إلى أن يختبر ويعلم رشده ، وربّما طال زمانه بسبب العلم بالملكة السابقة ، فإذا أمكن دفع هذا الضرر بتقديم الاختبار كان أولى .
وهذا ممّا لا خلاف فيه عندنا ، وإنّما خالف فيه بعض العامّة وجعله بعده . نعم ، شارحا القواعد حملا عبارتها على أنّ
هامش
( 1 ) التذكرة 14 : 225 .
( 2 ) جامع المقاصد 5 : 184 .