ويندرج في من لم يثبت رشده صنفان :
أحدهما : الصغير ، وهو مطلق غير البالغ سواء كان يتيماً - بأن فقد أباه حال صغره - أم لم يكن ( « 1 » ) .
والثاني : السفيه ، وهو الذي يصرف أمواله في غير الوجه الملائم لأفعال العقلاء أو في غير الأغراض الصحيحة ( « 2 » ) .
والرشد ملكة باطنيّة تمنع من إفساد المال وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء ( « 3 » ) . وربّما فُسّر الرشد برجحان العقل ( « 4 » ) ، وحسن التصرّف في المال من آثاره . وعلى كلا التقديرين فإنّ الرشد أمر غير بيّن فيفتقر إلى الاختبار ؛ ليحصل العلم بوجوده أو عدمه .
وقد تعرّض الفقهاء في اختبار الرشد لجملة من الأمور نستعرضها ضمن النقاط التالية :
1 - حكم الاختبار :
المشهور بين الفقهاء أنّ اختبار اليتيم واجب ، واستدلّوا عليه بقوله تعالى :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ »
( « 5 » ) فإنّها أمرت بالابتلاء ، والأمر ظاهر في الوجوب ، والابتلاء هو الاختبار والامتحان .
قال الشيخ الطوسي - في مقام الاستدلال للحجر على الصغير بقوله تعالى :
« وَابْتَلُوا . . . »
- : « وقوله : وابتلوا ، أراد وامتحنوا ؛ لأنّ الابتلاء الاختبار في اللغة . . . » ( « 6 » ) .
وقال العلّامة الحلّي : « يجب اختبار الصبيّ قبل فكّ الحجر عنه ، فإن اونس منه الرشد دفع إليه المال ، وإلّا فلا ؛ لقوله تعالى :
« وَابْتَلُوا الْيَتامى » ،
والابتلاء الاختبار كما قال تعالى :
« لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا »
( « 7 » ) أي نختبركم » ( « 8 » ) .
لكن لا ينبغي حمل كلمات الفقهاء على إرادة الوجوب النفسي منه ، بل الإشارة إلى ما يحرز به الرشد ، ويُحفظ به حقّ اليتيم ؛ إذ في دفع الوليّ ماله إلى اليتيم - ولو بعد بلوغه - بغير اختبار تعريض لماله للضياع ، وهو حرام ؛ لوجوب حفظه على الوليّ .
وفي إبقائه تحت يده بدونه أيضاً - مع فرض رشده وثبوت سلطنته عليه واقعاً - منع له من التصرّف في ماله ، وتصرّف منه في مال الغير بغير إذن منه أو من الشارع وهو حرام أيضاً ، فالاختبار وسيلة عقلائية لمعرفة رشد ذي المال ، ومقدّمة للواجب الذي هو دفع مال اليتيم إليه وتسليطه عليه على فرض كونه راشداً ، فلو أهمل أو قصّر في الدفع بسبب عدم الابتلاء وتصرّف في المال ولو بمنعه صاحبه أثم لتأخير الدفع لا لتأخير الاختبار ؛ ولذلك خلت كلمات كثير من فقهائنا عن التعبير بالوجوب وعبّروا بدلًا عنه بلفظ ( لا بدّ ) .
هامش
( 1 ) الشرائع 2 : 103 . القواعد 2 : 135 .
( 2 ) الشرائع 2 : 101 . القواعد 2 : 137 .
( 3 ) القواعد 2 : 134 . المسالك 4 : 150 . حاشية الارشاد ( غاية المراد ) 2 : 196 .
( 4 ) مجمع البيان 2 : 9 .
( 5 ) النساء : 6 .
( 6 ) المبسوط 2 : 281 .
( 7 ) هود : 7 . الملك : 2 .
( 8 ) التذكرة 14 : 224 .