آخر ، والأولاد إنّما يحتاجون إلى رحمتهما وإحسانهما في زمان تتوق أنفسهما إلى نحو الأولاد بحسب الطبع ، وكفى به داعياً ومحرّضاً لهما إلى الإحسان إليهم ، بخلاف حاجتهم إلى رأفة الأولاد ورحمتهم ؛ فإنّها بالطبع يصادف كبرهما ، ويوم عجزهما عن الاستقلال بالقيام بواجب حياتهما وشباب الأولاد وقوّتهم على ما يعينهم .
وجفاء الأولاد للوالدين وعقوقهم لهما يوم حاجتهما إليهم ورجائهما منهم وانتشار ذلك بين النوع يؤدّي بالمقابلة إلى بطلان عاطفة التوليد والتربية ، ويدعو ذلك من جهة إلى ترك التناسل وانقطاع النسل ، ومن جهة إلى كراهيّة تأسيس البيت والتكاهل إلى تشكيل المجتمع الصغير ، والاستنكاف عن حفظ سمة الابوّة والأمومة ، وينجرّ إلى تكوّن طبقة من الذرّية الإنسانيّة لا قرابة بينهم ولا أثر من رابطة الرحم فيهم ، ويتلاشى عندئذٍ أجزاء المجتمع ويتشتّت شملهم ويتفرّق جمعهم ، ويفسد أمرهم فساداً لا يصلحه قانون جار ولا سنّة دائرة ، ويرتحل عنهم سعادة الدنيا والآخرة ( « 1 » ) .
سابعاً - شرائط الإحسان
: من الواضح أنّ التكاليف الشرعيّة - خصوصاً الأحكام العباديّة - لها شرائط وحدود تتوقّف صحّتها على أن يؤتى بها طبقاً للحدود والشرائط الشرعيّة ، فلو تخلى عن واحد منها لم يصحّ العمل ولا يجتزى به .
وهل الإحسان يتبع ذلك أم لا ؟ هذا ما سنبحثه ضمن النقاط التالية :
أ - شرائط المحسن :
المحسن ما دام لم يكن ممنوعاً من التصرّف في ماله فله القيام بالإحسان ، ويبدو من ظاهر كلمات الفقهاء أنّه لا يشترط فيه قصد القربة بالمعنى المصطلح ؛ لأنّ الحسن ذاتيّ للإحسان وطبيعيّ له ، كالعدل الذي حسنه ذاتيّ له ، بمعنى أنّه يستحيل مع انحفاظ عنوان العدل عروض عنوان يذمّ عليه ( « 2 » ) ، فكذا الإحسان فإنّه يستحيل مع انحفاظ عنوان الإحسان عروض عنوان يذمّ عليه عقلًا وشرعاً .
فما كان حسناً ذاتاً بذاته لا يتوقّف
هامش
( 1 ) الميزان 7 : 374 .
( 2 ) بحوث في الأصول ( الأصفهاني ) : 71 .