يستكشف منها اهتمام الشارع المقدّس بعمارة الأرض وإحيائها وعدم ارتضائه بخرابها في الجملة .
بل في حكمهم بإجبار الحاكم للمحجّر الذي عطّل الأرض من دون عذر بأحد الأمرين إمّا الإحياء أو رفع اليد عن الأرض والتخلية ( « 1 » ) ؛ استناداً إلى مثل خبر يونس عن العبد الصالح عليه السلام قال : « إنّ الأرض للَّه تعالى جعلها وقفاً على عباده ، فمن عطّل أرضاً ثلاث سنين متوالية لغير ما علّةٍ اخذت من يده . . . » ( « 2 » ) شهادة على المطلب .
وفي كلام الإمام عليّ عليه السلام في عهده لمالك الأشتر : « وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ؛ لأنّ ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلّا قليلًا . . . ولا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به المئونة عنهم ؛ فإنّه ذخرٌ يعودون به عليك في عمارة بلادك ، وتزيين ولايتك » ( « 3 » ) .
بل لعلّ في نفس قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من أحيا أرضاً ميتة فهي له » ( « 4 » ) دلالة على محبوبيّة الإحياء في مذاق الشارع ، لأنّ سياقه سياق الترغيب على إحياء الأراضي الميّتة .
وكيف كان فالاستحباب المزبور من المسلّمات كما صرّح به بعضهم ( « 5 » ) .
رابعاً - محلّ الإحياء
: محلّ الإحياء الأرض الموات التي لا يمكن الانتفاع بها إلّا بالعمل فيها وبذل الجهد في سبيل الانتفاع بها لزرعٍ أو حفر معدنٍ أو بئر أو بناءٍ أو نحو ذلك .
فما يكون الانتفاع منه غير محتاج إلى مثل هذه العمليّات ليس متعلّقاً للإحياء كالأراضي العامرة طبيعياً ، وكالمعادن الظاهرة حيث إنّ الاستفادة منها ليس إلّا بنفس حيازتها ، وكذلك إثبات اليد على المباحات الأصلية كالماء والنار والكلاء
هامش
( 1 ) الشرائع 3 : 225 . جواهر الكلام 38 : 56 - 60 .
( 2 ) الوسائل 25 : 433 - 434 ، ب 17 من إحياء الموات ، ح 1 .
( 3 ) نهج البلاغة : 436 ، الكتاب 53 . المستدرك 13 : 166 ، ب 42 ممّا يكتسب به ، ح 2 .
( 4 ) الوسائل 25 : 413 ، ب 2 من إحياء الموات ، ح 1 .
( 5 ) انظر : حاشية المكاسب ( الاصفهاني ) 3 : 18 .