ثالثاً - الحكم الإجمالي
: وقع البحث عن الاحتقان لدى الفقهاء في موردين :
أحدهما : الاحتقان للتداوي ، وهو تعاطي الدواء أو الماء عن طريق الشرج .
ثانيهما : احتقان البول ، وهو مدافعة الإنسان نفسه ومنعها من خروج البول عند الشعور بالحاجة إلى التبوّل ، ويسمّى الإنسان حينئذ حاقناً كما يسمّى الحابس للغائط حاقباً ، وفيما يلي نتعرض لكل من البحثين على سبيل الإيجاز :
أ - الاحتقان للتداوي :
ويبحث عن أحكامه التكليفيّة والوضعيّة ضمن المباحث التالية :
1 - حكمه في نفسه :
الاحتقان للتداوي أو لغيره جائز في نفسه تكليفاً ؛ لعدم قيام دليل على حرمته ، إلّا إذا استلزم عنواناً محرّماً فتعرضه الحرمة من تلك الجهة .
2 - الاحتقان بالخمر والمائع المحرَّم :
لم يتعرّض الفقهاء لخصوص الحكم التكليفي للاحتقان بالمائعات المحرّمة ( « 1 » ) ، وإنّما وقع البحث عندهم في جواز التداوي والاستشفاء بالخمر وسائر المحرّمات وعدمه ، واختلفوا فيه ( « 2 » ) .
وعلى تقدير الحرمة لا بدّ من الكلام في أنّ الحرام هل هو مطلق التداوي بالخمر أو ينحصر بصورة التناول ؟ فإن قيل بانحصارها بصورة التناول المحرّم - أكلًا أو شرباً - كان الاحتقان جائزاً ؛ لأنّ الاحتقان غير التناول ، وإن قيل بعموم الحرمة لمطلق إدخال الخمر وسائر المحرّمات في الجوف فيحكم بحرمة الاحتقان به أيضاً ، وعندئذٍ لو قيل بحرمة التداوي بالخمر أو بمطلق المحرّمات لما ورد من أنّ اللَّه لم يجعل الشفاء في الحرام ثبت حرمة الاحتقان للتداوي أيضاً ، وإن لم نقل بذلك مطلقاً أو عند الضّرورة جاز الاحتقان للتداوي .
وقد حُكي القول بحرمة التداوي مطلقاً عن بعضهم ، قال الشيخ البهائي : « قد استدل بعض الفقهاء بقوله سبحانه :
« فَاجْتَنِبُوهُ »
على عدم جواز التداوي بالخمر ولو من خارج البدن كالاطلاء ، وهو غير بعيد ؛ لإطلاق الأمر بالاجتناب من دون تقييدٍ بحال دون حال ، فيدخل التداوي إلى أن يقوم الدليل على جوازه » ( « 3 » ) .
وقال المحقّق الحلّي في الخمر :
« لا يجوز التداوي بها ولا شيء من الأنبذة ولا شيء من الأدوية ومعها شيء من المسكر أكلًا ولا شرباً ، ويجوز عند الضّرورة أن يتداوى بها للعين » ( « 4 » ) .
بينما المستفاد من عبارات بعضهم اختصاص الحرمة بالتناول .
هامش
( 1 ) إلّا السيد الگلبايگاني من المعاصرين . انظر : تقريرات الحدود والتعزيرات 1 : 299 .
( 2 ) قال النراقي في مستند الشيعة ( 15 : 34 ) : « استثناه [ / ما يضطر إليه للتداوي ] جماعة إذا انحصر الدواء فيه ولم تكن مندوحة منه ، اختاره القاضي والدروس والكفاية . . . ومنع جماعة عن التداوي بالخمر بل كل مسكر ونسبه المحقّق الأردبيلي وفي الكفاية والمفاتيح وشرحه إلى المشهور ، وعن الخلاف دعوى الإجماع عليه ، وفصّل الفاضل في المختلف والشهيد الثاني وصاحب المفاتيح وشارحه فجوّزوا التناول والمعالجة مع خوف تلف النفس مطلقاً ومنعوا فيما دونه عن المسكرات أو كل محرّم » .
( 3 ) مشرق الشمسين : 364 .
( 4 ) الشرائع 3 : 231 .