تاسعاً - لزوم الإبراء وعدم جريان الخيار فيه :
الإبراء عند فقهائنا لازم لا رجوع فيه ولا خيار - حتى خيار الشرط - وقد صرّح بذلك جمع منهم ( « 1 » ) .
1 - أمّا اللزوم فيمكن الاستدلال عليه بوجوه :
منها : أنّ الجواز إمّا حقّي ينشأ من جعل الخيار ونحوه ، وإمّا حكمي ينشأ من حكم الشارع بذلك ، وكلاهما مفقود في الإبراء ، أمّا الأوّل فلما سيأتي ، وأمّا الثاني فلعدم دلالة دليل على ذلك ، فنبقى نحن ومقتضى أدلّة صحة ونفوذ الإبراء الذي يقتضي سقوط الحق بذلك ، فيحتاج رجوعه من جديد إلى دليل ، والأصل اللفظي المتمثّل في إطلاق أدلّة الإبراء والأصل العملي المتمثّل في الاستصحاب يقتضيان اللزوم وعدم رجوع الحق ، وهذا هو معنى : أنّ مقتضى الأصل اللزوم في المقام .
ومنها : أنّ حقيقة الإبراء - على ما تقدم - هو الإسقاط ورفع اليد عن الحق على ذمّة الغير ، والإسقاط يعني رفع موضوع الحق وإلغاء العلقة الوضعية التي كانت لصاحب الحق ، فإذا كان هذا نافذاً وصحيحاً كان مقتضاه اللزوم لا محالة ؛ لأنّه بذلك يكون قد ارتفع الحق وزالت تلك العلقة الوضعية ، فرجوع الحق بعد ذلك يكون حقاً جديداً ، وهو بحاجة إلى سبب جديد لا محالة ، فالابراء والإسقاط ونحوهما من الإيقاعات تستبطن اللزوم ذاتاً بحيث يكون الجواز مغايراً لمضمونه ومناقضاً معه .
ومنها : السيرة والارتكاز العقلائي الممضى شرعاً ، فانّه لا إشكال في لزوم الإبراء عند العرف والعقلاء ، وقد أمضاه الشرع المقدّس حيث لم يردع عنه ولا دلّ دليل شرعي على خلافه .
ومنها : الاجماع المدّعى في كلمات الفقهاء ، وستأتي الإشارة إليه في كلماتهم .
2 - وأمّا عدم صحة جعل الخيار فيه ، فلأنّ مرجع جعل الخيار إلى اشتراط حق الفسخ والرجوع ، وقد تقدم أنّ هذا خلاف
هامش
( 1 ) المبسوط 2 : 80 . المهذّب 1 : 354 . جامع الخلاف والوفاق : 311 . القواعد 3 : 232 . التذكرة 1 : 599 ( حجري ) . التحرير 2 : 293 .