تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
السابق من نفقة العلاج اللازم والمتعارف آنذاك ، حيث لم يكن العلاج بالأجهزة المتطوّرة وما تقتضيها اليوم من النفقات الكثيرة ، فلعلّ السكوت في تلك الروايات من أجل اشتمال الدية حتى بأقلّ مراتبها واستيعابها لنفقة العلاج ، وحيث لا توجد دلالة لفظية على عدم ضمان نفقة العلاج - وإنّما غايته السكوت - فمع مجيء هذا الاحتمال لا تحصل دلالة على نفي ضمان النفقة الزائدة على الدية في أزمنتنا إذا اتفقت في مورد جرح أو كسر معين وكانت نفقة لازمة لا بدّ منها عادةً ، هذا لو لم ندّعِ انصراف روايات الدية إلى ضمان قيمة العيب أو النقص أو ألم الجرح والكسر فقط ، لا سائر الجهات التي تقتضيها الجناية من الضمان بملاك الإتلاف أو التسبيب أو الإضرار ، فكما لا يمكن أن نستفيد من السكوت المذكور نفي ضمان ما يتلفه الجاني بجنايته من أموال المجني عليه كثوبه الذي عليه إذا خرقه مثلًا ، كذلك لا يمكن أن ننفي به ضمان الطبيب والعلاج ؛ لأنّه من ذاك الباب ، أي من قبيل ضمان الحال لا النفس ، ومع عدم انعقاد دلالة على نفي ضمان أعلى الحدّين تكون السيرة العقلائية بأحد التقريبات المتقدّمة - والتي قلنا إنّه لا يمكن إنكار أصلها - تامّةً ومثبتة لضمان أعلى الحدّين ؛ أي ضمان مقدار الدية المقرّر بالأدلّة الشرعية وضمان المقدار الزائد عليها لو فرض لزومه للعلاج اللازم بالقاعدة العقلائية الممضاة شرعاً . لا يقال : هذا المقدار لا يكفي ، بل لا بدّ من إثبات الإمضاء ، ومع احتمال أن يكون السكوت - في روايات الدية والأرش - عن ذكر نفقة العلاج من جهة الاقتصار على الدية المقرّرة وأنّها تمام ما يضمنه الجاني ، فلا محالة نحتمل الردع وعدم الإمضاء للسيرة العقلائية ، وما هو الحجة لنا نظر الشارع ورأيه ، لا نظر العقلاء وآراؤهم . فإنّه يقال : يكفي في استكشاف الإمضاء عدم وجود ما يصلح للرادعية ، ومن الواضح أنّ السكوت المذكور لا يصلح للرادعية خصوصاً عن سيرة مستحكمة