ممّا لا ينبغي إنكاره ، بل ينقل المؤرخون أنّ فكرة الدية كتعويض عن القتل أو الجرح كانت سائدة في المجتمعات البشرية قبل الإسلام وكذلك في المجتمعات التي لم تدخل في الإسلام ، كما أنّ فكرة التعويض بل وتحمّل نفقات العلاج ممّا تلتزم به القوانين الوضعية اليوم في العالم بحيث يعدّ المنكر لذلك ظالماً وخارجاً على مبادي العدل والحق . ومن غير المحتمل أن تكون الدية عقوبة صرفة ، كيف ؟ ! وتثبت في موارد الخطأ المحض ، بل والتسبيب ، ففيها جنبة التعويض جزماً عند العرف ، كما يستفاد ذلك من ألسنة الروايات التي عبّرت بالضمان أو التي جمعت بين ضمانها وضمان المال في سياق واحد وبموجب واحد .
فإذا ثبت ضمان الجاني في جميع الأعراف العقلائية لمال يعطى للمجني عليه أو وليه كتعويض عما أصابه من الجناية ، فمن المطمأنّ به أنّ هذا التعويض لا يكون أقلّ من نفقة العلاج اللازمة والضرورية للبرء إذا كانت الجناية دون النفس ، فإنّ هذا أقل ما يستحقه المجني عليه من الجاني إذا كان هناك استحقاق .
وهذا يعني أنّ أصل تمامية المقتضي لضمان نفقة العلاج ولو ضمن ما يضمنه الجاني في مقام التعويض المالي عن الجناية ممّا لا يمكن إنكاره ، وإنّما ينبغي البحث عن أنّ روايات الدية هل يستفاد منها ما ينافي ذلك باعتبار ما فيها من السكوت عن ذكر ضمان نفقات العلاج التي كانت موجودة سابقاً أيضاً أم لا ؟
وقد ذكرنا أنّه إن أريد ضمان نفقة العلاج زائداً على الدية ومجتمعاً معها فهذا قد يمكن دعوى ظهور سكوت الروايات - ولو في جملة منها أشرنا إلى طوائف ثلاث منها - في نفيه ، وأمّا لو أريد ضمان نفقة العلاج ضمن الدية وبنحو التداخل بحيث يكون اللازم أعلى الحدّين من مقدار الدية ونفقة العلاج اللازمة عادةً وعرفاً فهذا ما لا يمكن نفيه بالسكوت المذكور في الروايات أولًا ، بل يدلّ عليه معتبرة غياث ثانياً .
والوجه فيه : أنّ الدية حتى بمراتبها الأولية في باب الجروح كانت أكثر في
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 339
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٣٣٩