الوجه السابع : التمسّك بالسيرة العقلائية ابتداءً لإثبات ضمان الجاني نفقات العلاج وأجر الطبيب بدعوى أنّه لا إشكال في ذلك عندهم ؛ ولهذا نجد القوانين الوضعية اليوم تحكم بضمان الجاني جميع النفقات اللازمة عادة لعلاج الجناية الصادرة منه ، ومن المستبعد أن تكون هذه السيرة مستحدثة ، بل جذورها ونكاتها ارتكازية ثابتة من أول الأمر ، فنستكشف من عدم ثبوت ردع عنها إمضاء الشارع لها .
ولعلّ هذا الوجه أحسن الوجوه وأسلمها عن الإشكال ، إلّا أنّ تماميته تتوقّف على أن لا نستظهر من أدلّة تحديد الدية والأرش في الشريعة جعل الدية بدلًا عن كل ما يراه العقلاء من الضمان وأنّ تمام ما يستحقه المجني عليه إنّما هو مقدار الدية أو الأرش لا غير . وعلى هذا الأساس لا بدّ من الانتقال إلى المقام الثاني من البحث لنرى ما يستفاد من روايات الدية والأرش من هذه الناحية .
المقام الثاني
: في ما يستفاد من روايات الدية والأرش :
ولا شك في دلالتها على ضمان الدية وتحديدها بالمقدّرات الشرعية أو بما تقدّره الحكومة ( حكومة العدل ) ، كما لا إشكال في أنّها - على كثرتها وتعرّضها للتفاصيل وجزئيات دية كل عضو عضو وكل كسر أو جرح بأقسامها ومراتبها المتعدّدة - قد سكتت عن ضمان نفقات العلاج وأجر الطبيب ، ومن هنا قد يستظهر من هذا السكوت العام فيها نفي ضمان شيء زائد على ما ذكر فيها من الدية أو الأرش ، وإلّا لكان ينبغي أن يُذكر ذلك ولو في بعضها .
وقد يجاب عن ذلك : بأنّ الديات أو الأرش إنّما هي ضمان ما يحصل من النقص في العضو أو في منفعته أو الشيء الحاصل بسبب الجناية في البدن ، وهذا مطلب آخر مستقل عن ضمان علاج المجني عليه وإرجاع السلامة والبرء إليه سواء بقي فيه نقص أو شين أم لا ، فالروايات ناظرة إلى تحديد ما يضمنه الجاني بسبب النقص أو الشين ، لا الجهات الأخرى ، كما إذا أدّت الجناية إلى تلف مال المجني عليه من