فإنّه قرينة على تعيين محاربة اللَّه والرسول فيما يكون بنحو الافساد في الأرض وسلب الأمن ؛ لأنّه بذلك يختلّ وضع الناس والحياة ، فيكون إفساداً في الأرض ، بخلاف البغي ونكث بيعة الحاكم ولو أدّى إلى القتال والمحاربة فإنّ مطلق الحرب والقتال ليس فساداً في الأرض ، وقد اعتمد على هذه القرينة بعض المفسّرين منهم سيّدنا العلّامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره القيّم على ما تقدّم حيث قال : « وتعقب الجملة بقوله «
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً »
يشخّص المعنى المراد وهو الافساد في الأرض بالإخلال بالأمن وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين » ( « 1 » ) .
3 - ومنها : بعض القرائن الارتكازية واللبّية ومناسبات الحكم والموضوع الواضحة من سياق الآية ، فإنّ شدّة العقوبة والتأكيد عليها المفاد بصيغة التفعيل في الآية وإضافة الصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض كلّ هذه العقوبات تناسب سنخ جريمة يكون فيها إفساد في الأرض بقتل وسلب ونهب ويكون لها مراتب تناسب مراتب العقوبات الأربع المجعولة فيها ، ولا تناسب مجرّد البغي ونكث طاعة الحاكم الذي هو جريمة سياسية لا يطلب فيها إلّا رجوع الباغي إلى الطاعة ودخوله في الجماعة . كما يظهر ذلك من خلال مراجعة لسان الآية المتعرّضة للباغين «
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ »
( « 2 » ) .
بل ظاهر آية المحاربة أنّ الجريمة المذكورة فيها من سنخ الجرائم التي تقوم بالأفراد بحيث قد يقوم بها شخص واحد ، ومن هنا ذكر الفقهاء أنّه لا يشترط فيها وجود فئة ولا إخافة جماعة ، بل يكفي محاربة واحد لواحد ، وهذا بخلاف محاربة
هامش
( 1 ) ( ) تفسير الميزان 5 : 326 .
( 2 ) ( ) الحجرات : 9 .