يشهد ، فيدلّ إمضاء ذلك من قِبل اللَّه والسكوت عنه على صحّته ونفوذ القضاء بالعلم ، وهذا سنخ دلالة مفهومية سكوتية .
2 - أن يقال بظهور هذا الحديث ابتداءً في تفصيل موارد القضاء إلى ثلاثة أقسام :
مورد علم القاضي ورؤيته للواقع ، ومورد قيام البيّنة على الواقع ، ومورد الشكّ وعدم العلم والبيّنة ، وإنّ هذه الموارد مراتب طولية لانكشاف الواقع والوصول إليه ، وأنّ موضوع حجّية البيّنة والايمان ما إذا لم يكن علم للقاضي ، وهذا الترتيب والتسلسل يدلّ على أنّ حجّية البيّنة واليمين للقاضي إنّما هو باعتبار طريقيتهما إلى الواقع وإثباته بهما ، فإذا كان منكشفاً بالعلم جاز الحكم به لا محالة .
ويلاحظ على هذا الاستدلال :
أوّلًا : إنّ قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد » وإن كان يدلّ على أنّ الإشكال كان عنده فيما لم يرَ ولم يشهد ، إلّا أنّ هذا لا يدلّ على جواز القضاء بالعلم ؛ لأنّ الظاهر أنّ المحذور الذي كان في نظره إنّما هو محذور الحكم بما يكون على خلاف الواقع ، والذي يكون القاضي في معرضه في موارد عدم العلم والاطّلاع ، فيكون الإتيان بقيد ( فيما لم يرَ ولم يشهد أو لم يسمع ) إنّما هو بهذا الاعتبار ؛ ولهذا جاء الجواب عامّاً وبياناً لكبرى كيفيّة القضاء ، ومفهومه عندئذٍ أنّه في مورد العلم بالواقع لا محذور من هذه الناحية ، وهذا لا يلازم حجّيته القضائية ، فلا يعلم أنّ النظر إليها ، وقد تقدّم أنّ الحجّية القضائية يكون العلم مأخوذاً فيه على نحو الموضوعيّة لا الطريقيّة المحضة إلى الواقع .
فالحاصل : أنّ ظاهر هذا الحديث أو المحتمل من ظهوره أنّ ذلك النبي كان بصدد تحصيل العلم بالواقعيات كما هي ، ولهذا شكا إلى ربّه أنّه كيف يقضي فيما لم يرَ ولم يشهد ، فهو ناظر إلى الواقعيات ويطلب إليها طريقاً ، لا إلى باب الحجّية القضائية في موارد الشكّ . وما ورد في جوابه من الوحي بيان كيفيّة القضاء عموماً ، فإذا لم يذكر فيه إلّا البيّنة والايمان كان أدلّ على عدم نفوذ علم القاضي الشخصي ،
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 316
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٣١٦