تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
أحدهما : جواز الحكم والقضاء بالعلم . والثاني : نفوذ هذا الحكم على الغير وعدم جواز نقضه لا من المتخاصمين ولا من قاض آخر ، وهو معنى عدم سماع الدعوى والبيّنة على خلافه . والحكم الأوّل يمكن أن يكون الواقع موضوعاً فيه . وأمّا الحكم الثاني ، فلا يمكن أن يكون موضوعه الواقع ؛ إذ لا معنى لأن يقال بأنّ نفوذ حكم الحاكم منوط بكونه على طبق الواقع والحقّ ، فإنّ هذا معناه عدم حجّية حكمه في حقّ المتخاصمين ولا غيرهما ممّن هو شاكّ في واقع الأمر ، وقد تقرّر في محلّه من الأصول أنّه لا يعقل تقييد حجّية الحجّة - سواء كانت البيّنة أو اليمين أو حكم الحاكم أو غير ذلك - بفرض مطابقته للواقع ؛ لأنّه لغو عندئذٍ . وهذا يعني أنّ موضوع نفوذ حكم الحاكم وحجّيته على الآخرين إنّما هو نفس حكمه وقضاؤه بلا تقييد ذلك بفرض مطابقته للواقع ، وهو معنى ما ذكرناه سابقاً من أنّ علم القاضي بالواقع ومستنده عليه بلحاظ هذا الحكم - أعني النفوذ والحجّية القضائية في حقّ الآخرين - يكون موضوعيّاً لا طريقياً . وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ من يستدلّ بالعمومات على جواز القضاء بالعلم يدّعي دلالتها على كون الحقّ الواقع موضوعاً لجواز القضاء أي الحكم الأوّل ، فيكون علم القاضي طريقاً إليه ، فيجوز له أن يحكم بما يراه الواقع ، وأمّا الحكم الثاني وهو الحجّية القضائية والنفوذ على الآخرين وعدم جواز نقضه ولا سماع الدعوى والبيّنة على خلافه فهو حكم آخر يترتّب على ذلك ويثبت على نفس حكم الحاكم بعلمه - لا الواقع - بدليل آخر : أمّا هو الدلالة الالتزامية لنفس العمومات المذكورة الآمرة بالحكم بالحقّ ، حيث إنّ الأمر بذلك لا محالة يكون لغرض نفوذه على المتخاصمين وإلّا كان لغواً ، أو بالأدلّة الأخرى الدالّة على حرمة ردّ حكم القاضي الشرعي المنصوب من قبلهم عليهم السلام ، من قبيل صحيح أبي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة وغيرهما .