تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
الثاني : إنّنا نعلم بأنّ الواقع ليس تمام الموضوع لجواز القضاء والحكم ، بمعنى أنّ من قضى بالواقع اتّفاقاً من دون علم ولا حجّة شرعية لم يكن قضاؤه جائزاً ، فهو نظير الإفتاء بلا علم وإن صادف الواقع ، فالحكم والإفتاء من هذه الناحية على حدّ واحد ، وليس ذلك من باب التجرّي واحتمال الحكم بخلاف الواقع بلا حجّة ، بل بنفسه معصية إذا لم يكن له حجّة سواءً صادف الواقع أم لا ، ولعلّ هذا من المسلّمات الفقهية ، ويستفاد من جملة من الروايات . وهذا يعني أنّ الإحراز دخيل في موضوع جواز القضاء ، وليس الواقع تمام الموضوع فيه ، بل لعلّ هذا مرتكز أيضاً في الذهن المتشرّعي ، ومعه من المحتمل أن يكون الشارع قد اشترط في الإحراز المأخوذ موضوعاً لجواز القضاء الإحراز الخاصّ ، أي البيّنة واليمين لا علم القاضي ، فيكون العلم موضوعيّاً لا طريقاً إلى موضوع جواز القضاء . نعم لا مانع من أن يكون الواقع أيضاً جزء الموضوع لجواز القضاء وتكون الحجّة عليه طريقاً لإحراز ذلك الجزء ومحقّقاً في نفس الوقت للجزء الآخر ، إلّا أنّه ليس الواقع تمام الموضوع ، ومعه لا تتمّ دلالة الآيات على جواز القضاء بالعلم ؛ لأنّه فرع دلالتها على كون الواقع تمام الموضوع له ، وقد ثبت خلافه ، أو قيام دليل على كفاية مطلق الإحراز حتى العلم الشخصي للقاضي في موضوع جواز القضاء ، وهو بحاجة إلى دليل آخر . وهذا الإشكال قابل للدفع ؛ فإنّه إذا فرض تماميّة دلالة الآيات على الحكم بالواقع فما ثبت في الارتكاز المتشرّعي أو بالأدلّة الخاصّة لا يمنع عن الاستدلال المذكور ؛ لأنّ مقتضى الآيات المذكورة جواز الحكم بالواقع مطلقاً حتى مع عدم إحرازه ، نخرج عن هذا الإطلاق بمقدار ما ثبت من القيد وهو عدم جواز الحكم بالواقع مع عدم وجود إحراز للواقع لا علمي ولا تعبّدي ، وأمّا ما عدا هذه الحالة فيبقى تحت إطلاق الأمر بالحكم بالواقع ، ولازمه كفاية مطلق الإحراز العلمي أو التعبّدي مع الواقع في جواز القضاء ، ولا نحتاج إلى دليل آخر ، كما لا يخفى .