المناقشة الثالثة : إنّ قيم الأجناس المذكورة ليست متساوية في تمام الموارد حتى سابقاً ، بل كانت متغيرة لا محالة بتغير الأزمنة والأمكنة والأسواق والطواري وغير ذلك مما يؤثر في مقدار العرض والطلب على السلعة فتتغيَّر قيمتها ، فإذا اكتشف منجم للذهب أو الفضة مثلًا وكان يزداد عرضهما انخفضت قيمتهما لا محالة ، وإذا حصل وباء أو مرض أوجب موت الإبل قلَّ مقدار عرضها وارتفعت قيمتها لا محالة ، وهكذا كلما عزَّ وجود السلعة أو كثر الطلب عليها لسبب من الأسباب أو بالعكس أثّر ذلك في المالية والقيمة السوقية جزماً ، وهذا كان أمراً واقعاً حتى في تلك الأزمنة التي صدرت فيها هذه الروايات ، ومعه كيف يمكن افتراض أنّ هذه الأجناس الستة بأعدادها التي جعلت دية كانت متساوية في المالية والقيمة السوقية ؟ ! فإنّ هذا لو فرض إمكانه في زمان معين ومكان معين فهو غير ثابت في تمام الأزمنة والأمكنة والحالات حتى عند العرف ، أي هذه النكتة يعرفها ويفهمها العرف أيضاً ، فلا بدّ وأن يكون ذلك مجرد حكمة في أصل التشريع ، كما ذكره صاحب الجواهر قدس سره ويكون المدار على الأعداد المقرَّرة لكل جنس مهما بلغت قيمتها .
الجواب :
أوّلًا : إنّ المراد بالقيمة المتعادلة ليس التساوي الدقيق في القيمة وفي تمام الحالات ، بل المقصود هو التعادل بمعنى التقارب في القيمة السوقية في الأوضاع الثابتة لها أي لمتوسط القيمة في الأسواق العامّة التي كانت في حاضرة الإسلام وقتئذٍ ، وهذا كان أمراً ثابتاً عادة خصوصاً في مثل الأنعام الثلاثة والتي هي لحد اليوم بتلك الأعداد متقاربة في المالية ، والذي يقضي بهذا الفهم - مضافاً إلى ما ورد في الروايات المتقدمة في الدية المغلّظة من التعبير عن عشرين من الغنم بأنّه قيمة كل ناب من الإبل أو عن عشرة دنانير أو مائة وعشرين درهماً بأنه قيمة كل بعير ، وغير ذلك مما هو صريح في ملاحظة قيمة مائة من الإبل وماليتها في ما جعل من
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 205
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٢٠٥