وعلى ضوء ذلك يظهر نوع الحكم الشرعيّ لهذا الموضوع العتيد ، فإن أمكن استفادة الحكم من الكتاب والسنّة بالعنوان الأوّليّ ، يكون حكما واقعيّا أوّليّا .
فإنّ كان الحكم المستفاد هو الحليّة ، فلا شكّ أنّه يكون حكما أوّليّا واقعيّا ، وقد يتغيّر بحسب العناوين الطارئة ، كالضرر ونحوه .
وإن كان الحكم هو الحرمة ، فلا ريب في أنّه قد يتغيّر ويتبدّل بطروء العناوين الثانويّة المجوّزة ، كالاضطرار ، والضرورة .
وأمّا إذا كان الحكم المترتّب عليه من الأحكام الظاهريّة ، فالأمر أوضح .
وفي جميع الحالات فإنّ الأحكام الواقعيّة الثانويّة تتقدّم على الأحكام الواقعيّة الأوّليّة .
إذا تبيّن ما ذكرناه يكون البحث في موضوع الاستنساخ من وجهين :
الأوّل : من حيث المبدأ ،
وأنّ الاستنساخ هل هو حرام أو أنّه مباح ؟
الثاني : من حيث العمل والتطبيق ،
وكيفيّة استخدام هذا الكشف العلميّ كسائر الكشوف العلميّة إمّا لمصلحة الإنسان والأهداف المشروعة بمعزل عن المصالح السياسيّة أو التجاريّة ، فإنّ تحديد الأهداف التي ينبغي أن يخدمها العلم هو أمر أسمى من أن يترك للسياسيّين المحترفين ، وأوسع وأرحب من أن يترك للعلماء المتخصّصين ، وإنّما الواجب أن يشارك فيه المفكّرون وذو النفوس الطيبة وكلّ من يهمّه مصير الإنسان ويفكر في هذا المصير بنزاهة وتجرّد « 1 » عن الأهداف الفاسدة . أو يرجع إلى غير مصلحة الإنسان .
وهذا هو الحقّ في تنقيح الموضوع في الأحكام الثانويّة .
ولا أظنّ أنّ القوانين الوضعيّة - مطلقا - خارجة عن هذا الإطار العامّ في كلّ تشريع ، فإنّه أمر عقليّ لا يسع لأحد إنكاره .
هامش
( 1 ) التفكير العلميّ - فؤاد زكريا ، ص : 273 ، الطبعة الثانية .