وغير خفيّ أنّ التصدّي إذا كان مشكوكا حكمه جوازا وحرمة ، وكان الدليل الأوّلي مانعا عنه ، فلا تصل النوبة إليه .
نعم ، إذا كان إطلاق ذلك ممنوعا فلها المجرى ، مثلا إذا شكّ في جواز المحافظة على مال الصغير ، فإنّه تجري البراءة العقليّة عن شبهة التحريم ، ولكنّه إذا لم تكن المحافظة ممنوعة شرعا ابتداء ؛ لأنّها تعدّ تصرّفا وهو غير جائز .
اللّهمّ إلّا أن يقال بقصور تلك الأدلّة عن شمول مثله ، فيجوز ذلك تكليفا لا وضعا ، فلا تختلط .
الجهة الثامنة : في أنّ تصدي الزعامة مشروط بشروط
هل يجوز لآحاد الفقهاء - المنتشرين في البلاد في هذه الأعصار - التصدّي لتلك الزعامة قبل تشكيل الحكومة ، المشتملة على القوّة الدفاعيّة عند الهجمة عليه من قبل الحكومة المركزيّة ، أم لا ، بل لا بدّ من تفويض الأمر إلى غيره ، ولا يجوز له إجراء أيّ من الأحكام السياسيّة ، ولا الدخالة في أمر من الأمور الماليّة وغيرها ، إلّا بمقدار الضرورة التي يحتاج إليها فردا ؟
أقول : لا شبهة في وجوب تشكيل الحكومة الجامعة للنظام الداخلي والمشتملة على القوى اليوميّة للدفاع ، فإذا لم يتمكّن الفقيه من ذلك - كما في عصرنا هذا - فإن خاف من التصدّي أن يتعرّض من قبل الحكومات الجائرة بالنسبة إلى نفسه أو أحد آخر محترم المال والعرض ، فلا يجوز بالضرورة من العقل والشرع .
وإذا ساعدته الحكومة الجائرة على إجراء بعض الأحكام الشرعيّة ، فهل يجوز له تصدّيه أم لا ؟ وجهان : من أنّ الواجب لا يسقط إلّا بمقدار الضرورة ، ولا يجوز تعطيل الحدود إلّا ما لا يمكن إقامتها .
ويشهد لذلك ما أشير إليه من بعض الروايات ، الدالّة على أنّ الأئمّة عليهم السّلام كانوا يرجعون إلى سلاطين الجور لإجرائهم الحدّ الإلهي بالنسبة إلى المستحقّين .